محتويات

يدور الأصل اللغوي لمعنى طاغية حول علو الشيء الطاغي بصورة كبيرة مبالغ بها متجاوزاً كل حد، وذكر الله -تعالى- هذه الكلمة في عدد من المواضع في القرآن الكريم وبسياقات مختلفة، يمكن بيانها كما يأتي:[٢]
الطاغية: هي الصيحة التي علت وتجاوزت الحد والمقدار الذي نسمعه للصيحات،[٣] وذكر في القرآن التعبير بذلك عن عذاب قوم ثمود (فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ)،[٤] فصار التعبير (بِالطَّاغِيَةِ) يدل على: “الواقعة التي جاوزت الحد في الشدة والقوة، وهي الصيحة”،[٥] وورد في بعض التفاسير أنَّ الطاغية بمعنى بسبب طغيانهم، لكنَّه خطأ لا يناسب المقابلة بقوم عاد في الآية بعدها.[٦]
الطاغية: فاعل من الفعل (أطغى) وهو الذي يحمل غيره على الطغيان، فيجعله يتجاوز الحدَّ: نقول فلان أطغاه السلطان أو المال أو الجاه أو أصحاب السوء، وهذا المعنى ورد في قوله -تعالى-: (قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ)،[٧] ومعنى (مَا أَطْغَيْتُهُ): “ما أَضللته وأغويته”، أي لم أتولَّ ذلك من نفسي، ولكنه كان في ضلال عن الحق بخذلانك إياه، كأنه يقول: “لم أكن سبب طغيانه”.
الطاغية: أحد الطاغين المتجاوزين الحدَّ في الطغيان، وهذا المعنى ذكره الله -تعالى- في قوله: (وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ)،[٩] أي: لم تكن لنا عليكم أيَّة قدرة ولا حجة في أنكم تركتم الحق، بل كنتم قوماً طاغين ضالين متجاوزين الحد،[١٠] ومصير الطاغين نار جهنم: (هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ)،[١١] فالمتجاوزين الحد في الكفر والمعاصي لهم شر مرجع ومصير.[١٢]
يستعمل القرآن الكريم أحياناً كلمة (طاغوت) في أماكن استعمال كلمة (طاغية)، وتكرر ذكر كلمة (طاغوت) في القرآن ثمان مرات، وأول استعمال لها بحسب ترتيب المصحف هو قوله -تعالى-: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).[١٣]
ويرى المفسر ابن عاشور أنَّ كلمة طاغوت من مبتكرات القرآن التي لم تعرفها العرب في استخداماتها قبل نزوله، فقال: “ولا أحسبه إلاّ من مصطلحات القرآن وهو مشتق من الطغيان وهو الارتفاع والغلو في الكبر وهو مذموم ومكروه، ووزن طاغوت على التحقيق: طَغَيُوت فَعَلُوت، من أوزان المصادر مثل: مَلَكوت ورَهَبوت وَرَحَمُوت”.[١٤]
وأحسن تعريف اصطلاحي للطاغوت هو: كل ما تجاوز به العبد حدَّه مِن معبود أو متبوع أو مطاع مِن غير الصالحين، أما الصالحون فليسوا بطواغيت وإن عُبدوا،[١٥] وأبرز الموصوفين بأنهم طاغوت في الاستعمال القرآني ما يأتي:[١٦]
- الشّيطان، وذلك في قوله -تعالى-: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ).[١٧]
- الأوثان الّتي تعبد من دون الله، وذلك في قوله -تعالى-: (وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ).
- كعب بن الأشرف اليهودي، وذلك في قوله -تعالى-: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ).[١٩]
- ↑ أحمد مختار عمر، معجم اللغة العربية المعاصرة، صفحة 1402. بتصرّف.
- ↑ الواحدي، الوجيز، صفحة 1126. بتصرّف.
- ↑ سورة الحاقة، آية:5
- ↑ وهبة الزحيلي، التفسير المنير، صفحة 1126.
- ↑ ناصر الدين البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، صفحة 239. بتصرّف.
- ↑ سورة ق، آية:27
- ↑ سورة الصافات، آية:30
- ↑ شمس الدين القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، صفحة 75. بتصرّف.
- ↑ سورة ص، آية:55
- ↑ مجموعة من المؤلفين، التفسير الميسر، صفحة 456. بتصرّف.
- ↑ سورة البقرة، آية:256
- ↑ ابن عاشور، التحرير والتنوير، صفحة 28.
- ↑ ابن عثيمين، شرح ثلاثة الأصول، صفحة 151. بتصرّف.
- ↑ مجموعة من المؤلفين، نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم، صفحة 4836. بتصرّف.
- ↑ سورة البقرة، آية:256
- ↑ سورة النساء، آية:51









