ظواهر اجتماعية

جديد كيف ندافع عن الوطن

الوطن

وطن الإنسان هو من أهم الأمور التي تهم الإنسان عبر حياته، فهو ليس قطعة جغرافية من الأرض بل هو شيء أبعد من ذلك بكثير، ولو كان الوطن كذلك لاستغنى الإنسان عنه بكل سهولة وذلك بمجرد أن يجد قطعة أخرى جغرافية من الأرض تفوق وطنه بمزايا، كأن تكون أجمل أو أن تكون ظروف الحياة فيها أفضل أو أن تكون ذات مناخ أفضل، ولكن ما بالنا نجد من يعيشون على القطب يحبّونه وبتعلقون به لدرجة لم يعد يعجبهم أي مكان آخر، وما بالنا نرى جماعة تعيش في أكثر المناطق تلوثاً وهم أيضاً لا يستطيعون الانتقال منها والعيش في مكان آخر! هل تعوّد هؤلاء الأشخاص على ظروف الحياة الصعبة والمقيتة؟ ربما ولكن قطعاً هناك سبب أشد أهمية من هذا السبب ومن غيره من الأسباب، فكما تعود الإنسان على طبيعة عيش في بيئة معينة بإمكانه أن يتعود على غيرها وبسرعة كبيرة، فالإنسان كائن قابل للتأقلم وبشكل كبير وفي أي مكان يتواجد فيه. إذاً ما هو الوطن؟

ما هو الوطن

بالنظر إلى تعريف الوطن على أنه قطعة جغرافية لها حدود معينة يعيش الإنسان عليها، فهذا تعريف مادي لا يشكل تلك العلاقة الوثيقة ما بين الإنسان وبين وطنه، فالعلاقات الوثيقة بين الإنسان وبين هي من اختصاص قلب الإنسان وعاطفته وعقله ونفسه، فلا مكان للماديات في هذا الشأن، فربما يكون الأب لأي إنسان هو أسوأ إنسان على وجه الأرض بأخلاقه، إلا أنه يظل أحب إنسان إلى أبنائه، فلو أن هؤلاء الأبناء حكموا المنطق المادي في تعاملهم مع أبيهم لما نال هذا الأب ربما ربع هذه الأهمية عند أبنائه. لهذا السبب فالوطن هو تلك العلاقة الوثيقة التي تربط الإنسان بالأرض، وهذه العلاقة الوثيقة تتجسد بكون الوطن هو حافظة الذكريات التي لا تفنى، ذكريات الطفولة والشباب، ذكريات لقاء الأحبة، ذكريات التفوق والنجاح، ذكريات البهجة والأوقات الجميلة، وحتى الذكريات السيئة بمجرد أنها حدثت على أرض الوطن ربما ستستحيل إلى أوقات جميلة. الوطن أيضاً هو المكان الذي يذكر الإنسان بمن عاش معهم من أحبته ومن قابلهم في سنيِّه الأولى وما كان بينه وبينهم من أحداث ومواقف وحب وفرحة وبهجة وحزن وكآبة في بعض الأحيان، فالذكرى الجميلة تتحكم بالإنسان وتحبب إليه الأمر السيء القبيح. ومن هنا فالوطن غير قابل للمساومة بأي شكل من الأشكال، ولا يجب أن يقبل التفاوض عليه، لأنه أرض الأجداد وأرض الأحفاد، لأنه ذاكرتنا وهويتنا، ولأنه أجمل بقاع الأرض في عيوننا.

إن الإنسان بقدراته العاطفية الهائلة والكبيرة هو أقدر الناس على تحديد ما يحبه وما يكرهه، ومن هنا فهندما يقول شخص ما أن الصحراء القاحلة وطنه ويتغنى بحبه لها، يناجيها بالليل والنهار كأنها إحدى معشوقاته، فهو صادق، لأن هذا الوطن هو منبع الحنان والعطف والمحبة لديه.

الاعتداءات التي يتعرض الوطن لها

إذا كان الوطن هو منبع الذكريات عند الإنسان، فهذا الوطن يستحق أن يدافع هذا الإنسان عنه وبكل ما أوتي من قوة ومن جهد حتى لو كلفه ذلك حياته، وهذا ما رأيناه في صور التضحية التي ضحاها البشر على امتداد التاريخ، وجاء الله تعالى بأديانه السماوية ليؤكد هذه العلاقة، ففي الإسلام من جاهد في سبيل وطنه كان جهاده هذا في سبيل الله، ولهذا الأمر تفصيلات كثيرة لسنا بصدد ذكرها.

الدفاع عن الوطن لا يكون إلا إن تعرض هذا الوطن للاعتداء، ومن أبرز أشكال الاعتداءات التي قد يتعرض الوطن لها وربما يكون هذا الشكل أبرزها، هو الاعتداء من قبل دولة أخرى على هذا الوطن بقصد تسخير الشعب وبقصد امتلاك كافة ثروات هذه الأرض أو بهدف التوسع الجغرافي للدولة الأخرى المحتلة على حساب دولة أخرى، وربما يكون هذا الاعتداء لأسباب عقائدية وأيدولوجية، وأيضاً قد يكون هذا الاعتداء بهدف الطغيان وكل أنواع الاعتداءات هي طغيان.

أما النوع الثاني من أنواع الاعتداءات المتنوعة على الوطن يكون بأن يتعرض هذا الوطن لمخطط لتقسيم أرضه وشعبه إلى فئات متناحرة ومتذابحة بعد أن كانوا يعيشون جياراناً وأهلاً على أرض واحدة ولهم ذكريات واحدة، وهذا الاعتداء هو تمهيد في الغالب للاعتداء الأول. وربما يكون هذا الاعتداء من قبل الآخرين بأيدي أبنائه الذين سممت أفكارهم وغذيت بالكراهية والحقد وعدم تقبل الآخرين المختلفين عقدياً أو أيديولوجياً، وتقبل فقط المساوين المتطابقين بكل شيء.

في حين أن النوع الثالث من أنواع الاعتداء على الوطن هو عن طريق الفساد الداخلي لأبناء هذا الوطن، عن طريق نهب ثرواته ، وعدم تحمل أمانة المسؤولية العظيمة التي ألقيت على عاتقهم في صون مقدرات الوطن وثرواته وثورة المواطنين جميعهم، وهذا هو السبب الرئيسي لضياع الأوطان في العالم الثالث اليوم، حيث إنّ هذا السبب يؤدي بالضرورة إلى نشوب المخططات وطمع الأعداء فيه، مما يلجؤهم إلى حياكة المخططات التي ترمي لتفريق أبناء الوطن جميعهم.

طريقة الدفاع عن الوطن

الدفاع عن الوطن لا يكون بالجعجعات الإعلامية التي يجعجعها البعض ليل نهار على المنابر التلفزيونية وعندما يجلسون بين الناس، فأن توهم الناس بأنك تحبهم وتحب الوطن وتسرقهم في أول فرصة سانحة فهذا من قلة الأخلاق وهو عيب كبير وهو خيانة للوطن والأمة. فالدفاع عن الوطن يكون أولاً بالوعي التام الذي يتوجب أن يتحلى به كل أبناء الوطن، فمصلحة الوطن يتوجب أن تكون أولاً وقبل كل شيء أي قبل أية مصلحة ضيقة كانت ما شاء لها أن تكون، فالمصالح الضيقة كثيرة ومتنوعة فربما تكون مصلحة مادية أو حزبية أو سياسية أو اقتصادية أو أي نوع آخر، فكل هذه المصالح هي أنواع مختلفة لمصالح ذاتية فردية بحته، لا ترتقي لأن تكون مصلحة جماعية لكافة أبناء الوطن.

أما النوع الثاني من أنواع الدفاع عن الوطن فيبدأ بمحبة أبناء الوطن لبعضهم البعض، حيث إنّ هذا الأمر يساعد وبشكل كبير جداً على أن يتجاوزوا المآزق التي يمرون بها معاً، وهذا من شأنه أن يقتل أي نوع من أنواع المخططات التي تحاك من قبل الأعداء لتفتك بالأمة والوطن وتشرذم أبناءه وتقسمهم إلى أجزاء متناحرة متحاربة.

الطريقة الأخرى للدفاع عن الوطن تكون بالجهاد في سبيل الله ضد الأعداء المهاجمين المعتدين، وفي هذا السياق لا يجوز لأي شخص من المعتدى عليهم أن يعتدي وأن يهاجم أشخاصاً لم يهاجموه، فالأصل هو السلام والحرب هي الحالة الشاذة التي تشذ عن المنطق وعن خطة الله تعالى في الأرض التي وضحها في كتاب الله تعالى المنزل على عبده ورسوله محمد – صلى الله عليه وسلم – والتي وضحها أيضاً في باقي الكتب السماوية.

حب الوطن هو غريزة والدفاع عنه فرض على كل من هو قادر أخلاقياً ودينياً، لأن الدفاع عن الوطن هو دفاع عن الإنسان وعن ذاكرته وعن عقله وعن هويته والدفاع عن الوطن هو دفاع عن الشعب الذي تربى الإنسان بينهم، وشاطرهم أفراحهم وأتراحهم فكل هذه الأمور تستأهل من الإنسان أن يدافع عنها وأن يقدم الغالي والنفيس من أجل الحفاظ عليها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى