تأملات قرآنية

سبب نزول سورة الملك

سبب نزول سورة الملك

جاء عن ابن عباس أنّ سبب نُزول الآية الثالثة عشر من سورة المُلك، وهي قولهُ -تعالى-: (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)،[١] أنّ المُشركين كانوا يؤذون النبيّ -صلى الله عليه وسلم- وينالون منه، فأخبره جبريل -عليه السلام- بما يُقال عنه،[٢] وأنَّهم يقولون لبعضهم البعض: “أسروا قولكم لكي لا يسمعُكم إله مُحمد”، فنزلت الآية.[٣]

مقالات ذات صلة

وأمَّا الآية التي بعدها، وهي قوله -تعالى-: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)؛[٤] أي أنَّ الذي خلقكم أعلمُ بما في صدُوركم، وأعلم بما تُسرون به،[٥] وفي الآيتين الكريمتين إشارةٌ للمُشركين إلى مخافة الله -تعالى- وخشيته؛ لأنَّه عليمٌ بالسر وبما في الصُدور، وبكل ما يتكلمون به عن نبيه الكريم -صلى الله عليه وسلم-.[٦]

وجديرٌ بالذكر أنَّ نزول سورة المُلك كان في مكة المكرمة، وذلك بعد نزول سورة الطور،[٧] والتي نزلت بعد حادثة الإسراء والمعراج وقبل الهجرة؛ وبذلك يكون نزول سورة المُلك في تلك الفترة.[٨]

تُعدُّ سورة المُلك من السور المكيّة، وعددُ آياتها ثلاثون آية، وتعرضت السورة لذكر بركات الله -تعالى- في الدُّنيا، وقُدرته، وحكمته؛ فهو الخالق والرازق، والمُدبر والحكيم، كما تلفت السورة الكريمة أنظار الناس إلى خلق الأرض، والسماء، والطير، والسمع والبصر، وغير ذلك من خلق الله -تعالى-، وتحثُّ على التفكُّر والتدبُّر في ملكوت الله -تعالى-.[٩]

وسورة الملك السورة السابعة والستون بحسب الرسم القرآني، والسورة الرابعة من المجموعة الخامسة من قسم المفصّل،[١٠] وتُسمّى بالسورة الواقيّة، والمُنجيّة؛ لأنّها تُنجيّ وتمنع من عذاب القبر،[١١] وأمّا عددُ كلماتها فتبلُغ ثلاثُ مئة وثلاثون كلمة، وأمّا حُروفها فتبلُغ ألف وثلاثُ مئة وثلاثةَ عشر حرفاً.[٧]

جاءت سورة المُلك مُناسبة لما قبلها من السور وهي سورة التحريم؛ فقد ذكر الله -تعالى- في أواخر سورة التحريم مثلاً للكُفار بامرأتين من زوجات الأنبياء الكرام، ثُمّ ضرب مثلاً للمؤمنين بمريم -عليها السلام-، وآسية امرأت فرعون، والسعادة المحتومة لهما، مع أنَّ غالبية أقوامهما كانوا من الكُفار، ثمَّ افتتح الله -تعالى- سورة الملك بما يدُل على إحاطته وقُدرته على التصرُّف في مُلكه.[١٢]

وبالإضافة إلى ذلك فقد تعرَّضت سورة التحريم في خاتمتها إلى الصراع بين الخير والشر، والإيمان والكُفر، وقد بيّن الله -تعالى- في بداية سورة المُلك أنَّ حقيقة هذا الصراع ومآله ستظهر يوم القيامة لا محالة؛ ولذلك اقتضت حكمة الله -سُبحانه وتعالى- أن يكون الموت، ثُمّ حياة بعد الموت، وبعدها يأتي الحساب، فكانت سورة الملك بمثابة تقرير للحقيقة التي اختتمت بها سورة التحريم.[٧]

توجد العديد من المقاصد التي جاءت سورة المُلك لبيانها وذكرها، ومنها ما يأتي:

  • الدعوة إلى الإيمان بالله -تعالى- بالأدلة المُختلفة، والدّعوة إليه بالترغيب والترهيب؛ فهو الذي بيده كُل شي، وهو الذي خلق الموت والحياة، وخلق السماوات وزيَّنها بالمصابيح والكواكب.
  • بيان أنَّ الله -تعالى- هو العليم بما يُسِّرُ به عباده أو بما يجهروا به، وأنَّ الله -تعالى- جعل السمع والبصر والفؤاد للإنسان، وهذا من عظيم قدرته.
  • بيان عظمة الله -تعالى- وعظيم مُلكه؛ فهو الذي بقبضته كُل شيء، وهو الآمر الناهي، والمُعطي والمانع، وعطاء الله -تعالى- لا يقدر الإنسان على إحصائه، ولا يستطيع عدِّ نعمه.[١٥]
  • الدعوة إلى لفت النظر إلى السماوات وما فيها من نُجوم وكواكب، وحفظٍ للطير في الهواء، وما أعدّه الله -تعالى- من العذاب للمُنكرين، ومن الثواب للمُتّقين.[١٦]

  1. سورة الملك، آية:13
  2. أبو الحسن علي الواحدي (1992)، أسباب نزول القرآن (الطبعة 2)، الدمام:دار الإصلاح، صفحة 442، جزء 1. بتصرّف.
  3. أبو الحسن علي الواحدي (1411)، أسباب نزول القرآن (الطبعة 1)، بيروت:دار الكتب العلمية، صفحة 462، جزء 1. بتصرّف.
  4. سورة الملك، آية:14
  5. أبو الحسن علي الواحدي (1415)، الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (الطبعة 1)، دمشق:دار القلم، صفحة 1117-1118. بتصرّف.
  6. محمد المقدم، تفسير القرآن الكريم، صفحة 19، جزء 177. بتصرّف.
  7. ^ أ ب ت عبد الكريم الخطيب، التفسير القرآني للقرآن، القاهرة:دار الفكر العربي، صفحة 1043، جزء 15. بتصرّف.
  8. جعفر شرف الدين (1420)، الموسوعة القرآنية خصائص السور (الطبعة 1)، بيروت:دار التقريب بين المذاهب الإسلامية، صفحة 79، جزء 10. بتصرّف.
  9. جعفر شرف الدين (1420)، الموسوعة القرآنية خصائص السور (الطبعة 1)، بيروت:دار التقريب بين المذاهب الإسلامية، صفحة 71، جزء 10. بتصرّف.
  10. سعيد حوَّى (1424)، الأساس في التفسير (الطبعة 6)، القاهرة:دار السلام، صفحة 6019، جزء 10. بتصرّف.
  11. شمس الدين القرطبي (1964)، الجامع لأحكام القرآن تفسير القرطبي (الطبعة 2)، القاهرة:دار الكتب المصرية، صفحة 205، جزء 18. بتصرّف.
  12. سعيد حوَّى (1424)، الأساس في التفسير (الطبعة 6)، القاهرة:دار السلام، صفحة 6021، جزء 10. بتصرّف.
  13. إسماعيل حقي، روح البيان، بيروت:دار الفكر، صفحة 73، جزء 10. بتصرّف.
  14. جعفر شرف الدين (1420)، الموسوعة القرآنية خصائص السور (الطبعة 1)، بيروت:دار التقريب بين المذاهب الإسلامية، صفحة 77، جزء 10. بتصرّف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock