محتويات

- بحرٌ لأيلولَ الجديدِ. خريفُنا يدنو من الأبوابِ…
- بحرٌ للنشيدِ المرِّ. هيَّأنا لبيروتَ القصيدةَ كُلَّها.
- بحرٌ لمنتصفِ النهارِ
- بحرٌ لراياتِ الحمامِ، لظلِّنا، لسلاحنا الفرديِّ
- بحرٌ للزمانِ المستعارِ
- ليديكَ، كمْ من موجةٍ سرقتْ يديكَ
- من الإشارةِ وانتظاري
- ضَعْ شكلنا للبحرِ. ضَعْ كيسَ العواصفِ عند أول صخرةٍ
- واحملْ فراغَكَ…وانكساري
- واستطاعَ القلبُ أن يرمي لنافذةٍ تحيَّتهُ الأخيرةَ
- واستطاع القلبُ أن يعوي، وأن يَعدَ البراري
- بالبكاء الحُرِّ…
- بَحْرٌ جاهزٌ من أجلنا
- دَعْ جسمك الدامي يُصَفِّق للخريفِ المُرِّ أجراسًا.
- ستتَّسعُ الصحاري
- عمَّا قليلٍ، حين ينقضُّ الفضاء على خطاكَ
- فرغتُ من شَغَفي ومن لهفي على الأحياء. أفرغتُ انفجاري
- من ضحاياك، استندتُ على جدارٍ ساقطٍ في شارعِ الزلزالِ
- أَجْمَعُ صورتي من أجل موتكَ
- خُذْ بقاياكَ، اتخذني ساعدًا في حضرة الأطلالِ. خُذْ قاموسَ
- ناري
- وانتصرْ
- في وردةٍ تُرمى عليكَ من الدموعِ
- ومن رغيفٍ يابسٍ، حافٍ، وعارِ
- وانتصرْ في آخر التاريخِ…
- لا تاريخَ إلا ما يؤرِّخه رحيلُكَ في انهياري
- قُلنا لبيروت القصيدةَ كُلَّها، قلنا لمنتصفِ النهارِ:
- بيروت قلعتنا
- بيروت دمعتُنا
- ومفتاحٌ لهذا البحر. كُنَّا نقطة التكوينِ
- كنا وردةَ السورالطويل وما تبقَّى من جدارِ
- ماذا تبقَّى منكَ غيرُ قصيدةِ الروحِ المحلِّقِ في الدخان قيامةً
- وقيامةً بعد القيامةِ؟ خُذْ نُثاري
- وانتصرْ في ما يُمَزِّق قلبكَ العاري
- ويجعلكَ انتشارًا للبذارِ
- قوسًا يَلُمُّ الأرضَ من أطرافها..
- جَرَسًا لما ينساهُ سُكَّانُ القيامةِ من معانيكَ.
- انتصرْ
- إنَّ الصليب مجالُك الحيويُّ’ مسراكَ الوحيدُ من الحصارِ إلى
- الحصارِ.
- بحرٌ لأيلولَ الجديدِ. وأنتَ إيقاعُ الحديدِ تَدُقُّني سُحُبًا على
- الصحراءِ
- فلتمطرْ
- لأسحبَ هذه الأرضَ الصغيرة من إساري
- لا شيء يكسرنا
- وتنكسر البلادُ على أصابعنا كفُخَّارٍ، وينكسرُ المسدِّسُ من
- تلهُّفِكَ.
- انتصرْ، هذا الصباحَ، ووحِّد الراياتِ والأممَ الحزينةَ والفصولَ
- بكُلِّ ما أوتيتَ من شبق الحياةِ
- بطلقةِ الطلقاتِ
- باللاشيء
- وحِّدنا بمعجزةٍ فلسطينيِّةٍ….
- بيروت قصَّتُنا
- بيروت غصَّتنا
- وبيروت اختبارُ اللهِ. جرَّبناكَ جرَّبناكَ
- من أَعطاك هذا اللُّغز؟ من سَمَّاكَ؟
- من أَعلاك فوق جراحنا ليراكَ؟
- فاظهرْ مثل عنقاء الرماد من الدمارِ!
- نَمْ يا حبيبي، ساعةً
- لنمُرَّ من أحلامك الأولى إلى عطش البحار إلى البحارِ.
- نَمْ ساعةً، نَمْ يا حبيبي ساعةً
- حتى تتوب المجدلَّيةُ مرةً أخرى ويتَّضحَ انتحاري
- نَمْ، يا حبيبي، ساعةً
- حتى يعود الرومُ، حتى نطردَ الحرَّاسَ عن أَسوار قلعتنا
- وتنكسر الصواري.
- نَمْ ساعةً. نم يا حبيبي
- كي نصفِّق لاغتصاب نسائنا في شارع الشَّرف التِّجاري
- نَمْ يا حبيبي ساعةً، حتى نموتْ
- هيَ ساعةٌ لوضوحنا
- هيَ ساعةٌ لغموضِ ميلادِ النهارِ
- أتموتُ في بيروت لا تُولِمْ لبيروتَ الرغيفَ عليكَ أَن تجد
- انتظاري
- في أَناشيدِ التلاميذِ الصغارِ، وفي فراري
- من حديقتنا الصغيرةِ في اتجاه البحرِ
- لا تُولِمْ لبيروتَ النبيذَ عليك أن ترمي غباري
- عن جبينكَ. أن تُدَثِّرني بما أَلِفَتْ يداك من الحجارةِ
- أن تموت كما يموت الميتونَ
- وأَن تنامَ إلى الأبدْ
- وإلى الأبدْ…
- لا شيء يطلعُ من مرايا البحرِ في هذا الحصارِ
- عليكَ أن تجدَ الجسدْ
- في فكرة أُخرى وأن تجد البلدْ
- في جُثَّةٍ أخرى وأن تجد انفجاري
- في مكان الانفجار..
- أينما وَلَّيْتَ وجهكَ:
- كلُّ شيء قابلٌ للانفجارِ
- الآن بحرْ
- الآن بحرٌ كُلُّهُ بحر
- وَمَنْ لا بَرَّلَهْ
- لا بحرَ لَهْ
- والبحر صورتُنا
- فلا تذهبْ تمامًا
- هي هجرةٌ أخرى، فلا تذهبْ تمامًا
- في ما تفتَّحَ من ربيعِ الأرضِ، في ما فجَّر الطيرانُ فينا
- من ينابيعٍ. ولا تذهبْ تمامًا
- في شظايانا لتبحث عن نبيٍّ فيكَ ناما.
- هي هجرةٌ أُخرى إلى ما لستُ أَعرفُ…
- أَلفُ سَهْمٍ يكسرنا
- ومَنْ أَدمى جبين الله، يا ابنَ الله، سَمَّاهُ,، وأَنزلهُ كتابًا أوغمامًا
- كمْ كُنْتَ وحدك يا ابن أُمِّي
- يا ابنَ أكثر من أبٍ
- كم كُنْتَ وحدكْ
- القمحُ مُرُّ في حقول الآخرينْ
- والماءُ مالحْ
- والغيم فولاذٌ. وهذا النجمُ جارحْ
- وعليك أن تحيا وأن تحيا
- وأن تعطي مقابلَ حبَّةِ الزيتون جِلْدَكْ
- كَمْ كُنْتَ وحدكْ
- لاشيء يكسرنا فلا تغرقْ تمامًا
- في ما تبقى من دمٍ فينا..
- لِنَذْهبْ داخلَ الروحِ المحاصرِ بالشابة واليتامى
- يا ابن الهواء الصَلْبِ’يا ابنَ اللفظةِ الأولى على الجزر القديمةِ
- يا ابنَ سيدةِ البحيرات البعيدةِ يا ابنَ من يحمي القُدامى
- من خطيئتهم ويطبع فوقَ وجهِ الصَّخر برقًا أو حمامًا
- لحمي على الحيطان لحمُكَ يا ابنَ أُمِّي
- جَسَدٌ لأضربِ الظلالْ
- وعليك أن تمشي بلا طُرُقٍ
- وراءً، أو أمامًا أو جنوبًا أو شمالْ
- وتحرِّكَ الخطواتِ بالميزانِ
- حين يشاءُ مَنْ وهبوك قيدَكْ
- ليزيِّنوك ويأخذوكَ إلى المعارض كي يرى الزُوِّار مجدَكْ
- كَمْ كنتَ وحدكْ !
- هي هجرةٌ أُخرى…
- فلا تكتتب وصيتكَ الأخيرةَ والسلاما.
- سَقَطَ السقوطُ، وأنت تعلو
- فكرةً
- ويدًا
- وشاما!
- لا بَرَّ إلاّ ساعداكْ
- لا بحرَ إلاّ الغامضُ الكحليُّ فيكْ
- فتقمَّصِ الأشياء خطوتَك الحراما
- واكسرْ ظلالك كُلَّها كيلا يمدُّوها بساطًا أو ظلاما.
- كسروكَ، كم كسروكَ كي يقفوا على سلقيك عرشًا
- وتقاسموك وأنكروك وخبَّأوك وأنشأوا ليديكَ جيشًا
- حطُّوك في حجرٍ… وقالوا: لا تُسَلِّمْ
- ورموك في بئرٍ.. وقالوا: لا تُسَلِّمْ
- وأَطَلْتَ حربَكَ يا ابن أُمِّي
- ألف عامٍ ألف عامٍ في النهارِ
- فأنكروكَ لأنهم لا يعرفون سوى الخطابة والفرارِ
- هم يسروقون الآن جلدكْ
- فاحذرْ ملامحهم…وغمدَكْ
- كم كنتَ وحدكَ يا ابن أُمِّي
- يا ابن أكثرَ مِنْ أَبٍ
- كَمْ كُنْتَ وحدكْ!
- والآن والأشياءُ سَيِّدَةٌ، وهذا الصمتُ عالٍ كالذبابهْ
- هل ندركُ المجهول فينا؟ هل نُغَنِّي مثلما كنا نُغَنِّي؟
- سقطتْ قلاعٌ قبلَ هذا اليومِ، لكن الهواء الآن حامضْ
- وحدي أدافع عن جدارٍ ليس لي
- وحدي أدافع عن هواءً ليس لي
- وحدي على سطح المدينة واقفٌ…
- أَيُّوبُ ماتَ، وماتتِ العنقاءُ، وانصرفَ الصَّحابَهْ :وحدي. أراود نفسيَ الثكلى فتأبي أن تساعدني على نفسي
- ووحدي
- كنتُ وحدي
- عندما قاومت وحدي
- وحدةَ الروحِ الأخيرهْ
- لا تَذْكُرِ الموتى، فقد ماتوا فُرادى أَو عواصمْ
- سأراك في قلبي غدًا سأراك في قلبي
- وأجهشُ يا ابن أُمِّي باللُغَهْ
- لغةٍ تُفَتِّشُ عن بيتها، عن أراضيها وراويها
- تموتُ ككُل مَنْ فيها وتُرمى في المعاجمْ
- هي آخرُ النَّخل الهزيلِ وساعةُ الصحراءِ
- آخرُ ما يَدُلُّ على البقايا
- كانوا، ولكنْ كُنْتَ وحدك
- كم كنتَ وحدكَ تنتمي لقصيدتي، وتمدُّ زندكْ،
- كي تُحوِّلها سَلالِمَ، أو بلادًا، أو خواتمْ
- كَم كنتَ وحدكَ يا ابن أُمي
- يا ابن أَكثرَ من أَبٍ
- كَمْ كنتَ وحدكْ!
- والآن والأشياءُ سَيِّدَةٌ وهذا الصمت يأتينا سهامًا
- هل ندركُ المجهولَ فينا. هل نغني مثلما كنا نغنيِّ؟
- آه يا دمنا الفضيحة هل ستأتيهم غمامًا
- هذه أُمم تَمرُّ وتطبخ الأزهار في دمنا
- وتزدادُ انقسامًا
- هذه أُممٌ تفتِّش عن إجازتها مِنَ الجَمَل الزخرفِ…
- هذه الصحراءُ تكبر حولنا
- صحراءُ من كل الجهاتْ
- صحراءُ تأتينا لتلتهم القصيدةَ والحساما
- الله أَكبرْ
- هذه آياتنا، فاقرأ
- باسم الفدائيَّ الذي خَلَقَا
- مِن جُرْحِهِ شَفَقا
- باسم الفدائيَّ الذي يَرحَلْ
- من وقتِكم.. لندائِهِ الأوِّلْ
- الأوَّلِ الأوَّلْ
- سَنُدمِّرُ الهيكلْ
- باسم الفدائيِّ الذي يبدأْ
- اقرأْ
- بيروتُ صُورتُنا
- بيروتُ سورتُنا
- بيروت
- ظهري أمام البحر أسوارٌ ولا
- قد أَخسرُ الدنيا.. نَغَمْ !
- قد أَخسرُ الكلماتِ….
- لكني أَقول الآن: لا
- هي آخر الطلقاتِ: لا.
- هي ما تبقَّى من هواء الأرضِ – لا
- هي ما تبقَّى من نشيجِ الروحِ – لا
- بيروت – لا
- نامي قليلًا، يا ابنتي، نامي قليلًا
- الطائراتُ تضُّني. وتعضُّ ما في القلب من عَسَلٍ
- فنامي في طريق النحل نامي
- قبل أن أصحو قتيلًا
- الطائراتُ تطير من غُرَفٍ مجاورةٍ الى الحمَّام، فاضطجعي
- على درجات هذا السُّلّم الحجريِّ، انتبهي إذا اقتربتْ
- شظاياها كثيرًا منكِ وارتجفي قليلًا
- نامي قليلًا
- كُنَّا نحبُّك يا ابنتي
- كنا نَعُدُّ على أصابع كفِّك اليُسرى مسيرتَنا
- ونُنْقِصُها رحيلًا
- نامي قليلًا
- الطائراتُ تطيرُ، والأشجارُ تهوي،
- والمباني تخبز السُكَّانَ فاختبئي بأُغنيتي الأخيرةِ، أو بطلقتيَ
- الأخيرةِ، يا ابنتي
- وتوسّديني كنتُ فحمًا أَم نخيلًا
- نامي قليلًا
- وتَفَقَّدي أزهارَ جسمكِ،
- هل أُصيبتْ؟
- واتركي كفِّي وكأسَيْ شاينا ودعي الغَسيلا
- نامي قليلًا
- لو أَستطيع أَعدتُ ترتيب الطبيعةِ:
- ههنا صفصافةٌ… وهناك قلبي
- ههنا قَمَرُ التردُّد
- كههنا عصفورةٌ للانتباهِ
- هناكَ نافذةٌ تعلِمكِ الهديلَا
- وشارعٌ يرجوكِ أن تَبْقَي قليلًا
- نامي قليلًا
- كُنَّا نحبكِ، يا ابنتي
- والآن، نعبدُ صمتَك العالي
- ونرفعهُ كنائس من بَتُوْلا
- هل كنتِ غاضبةً علينا، دون أن ندري.. وندري[١]
كتب هذه القصيدة الشاعر الفلسطيني محمود درويش وذلك في عام في عام 1982م، وتعالج هذه القصيدة اللحظة التاريخية في تلك المرحلة وتعبر عنها.
- وصف حالة الصمود الفلسطيني خلال تلك المرحلة.
- وصف حالة الحزن والخذلان التي سيطرت على تفاصيل تلك الفترة.
- وصف مشاعر الألم والحزن التس أحس بها أثناء مشاهدته للموت والدمار المحيط بكل شيء حوله.
- تؤرخ القصيدة مجموعة من الأحداث من خلال بعض المشاهد التي تضمنتها القصيدة.
- يغلب على القصيدة مفردات الحزن والموت والسوداوية، وذلك إلى جانب معاني الصمود والمقاومة والتحدي.
- يظهر في القصيدة حالة الدهشة والصدق التعبيري والانفعالي.
- ↑ “مديح الظل العالي”، الديوان، اطّلع عليه بتاريخ 27/4/2022.









