جاء الشتاء وبعد انتظار، نزلت أول حبات المطر كالؤلؤ والماس، ذلك الهواء الذي أرجح ستائر منزلي وتلك القطرات التي سقطت متراقصة على شباك غرفتي.
قفزت من على أريكتي وفي الشرفة كانت طلتي، بللت يدي بتلك القطرات العطرة، ودعوت ربي بأن يكثر المطر ودعوته بأن يجمعني مع أحبتي.
نظرت إلى السماء التي أشرقت سماؤها رغم سوادها، ومددت يدي كي أطول حبات المطر، وشعرت وكأني العصفور الذي جمع عشه وأخيراً سيرتاح على غصنه.
كأني الفراشة ترقص وتتمايل على أوراق الشجر، وكأني التربة التي حيت، وكأني البذرة التي نمت وكأني الشفاه التي تبسمت، لا أعلم لما بكيت وقتها وكأنه الفرج، هذا المطر وما يفعله بقلوب البشر.
يأتي المطر ويغسل كل هموم البدن، يذكرنا بما كان من براءة الصغر، كنا نقفز ونقفز تحت حبات المطر، ونضحك ونجري ونتراقص تحت سماء أشرقت.
يذكرنا بالدفء حين كنا بأحضان أمهاتنا نختبئ، وبها نلتحم ونعود وكأننا ما زلنا أجنة في الرحم، أحب المطر وأحب كل حبة من حبات المطر.
في غرفتك المظلمة، لا تسمع سوى، صوت وقوع المطر على نافذتك.
تتناثر قطرات المطر بهدوء ورقّة وكأنها تهمس، في آذاننا بصوت خافت تفاءلوا ما زالت الحياة مستمرة وما زال الأمل موجوداً، ما زالت تلك القطرات تنهمر وتطرق نافذتك بلطف، فتذهب لتتأملها عن قرب وتقف أمام، النافذة.
تراقب جمال المطر فترتسم عليك الابتسامة وتنسى همومك ولو للحظات بسيطة، وتشعر بالحنين إلى كل شي، إلى طفولتك.
وإلى تلك السنوات التي مضت من عمرك، ستحن إلى قلوب افتقدتها وأحاسيس نسيتها، ستغمض عينك وتسترجع شريط أحلامك، بحب ستنسى كل ما بقلبك من نقاط سوداء، عندما ترى نقاء المطر تذكّر كل صفاتك الجميلة التي نسيتها بفعل متاعب الحياة والأوقات القاسية، وليالي السهر الحزينة.
تذكر كل ما كنت تفعله قبل أن يدخل شعور البؤس إلى قلبك، بسبب حب انتهى، أو حلم تلاشى، أو صدمات اخترقت قلبك ومنها تشبّع وترتوي تذكّر أنك كنت رائعاً وما زلت كذلك، لكنك نسيت نفسك بين متاعبك.
المطر هو الحياة هو الفرح هو طفلة تركض في ثوبها الوردي.
مع لمسات المطر، على وجنات مدينتي الصغيرة، أشم في أنفاسه رائحة عطرك الجميلة.
وأتساءل هل تشبه تلك القطرات كلماتك الرقيقة، وهل الرياح ستحمل إلى حياتك الخضراء البسيطة.
أحب رائحة مطر ونسيم بارد يراقص أغصان الشجر، وموج هادئ أنساب من بين يدي البحر.
أحب شمس شتاء تأتي على استحياء، ونجوم مضيئة في مساء تزين بداخلي السماء.
أحب رائحة مطر، كم يحمل لنا المطر رائحة الأرض الندية، يحمل لك أرق السلام من تلك التي تهوي وستحمل لك الرياح سنابل الحياة الخضراء لتحي بها غصون الأمل.
ومع عودة الشتاء وهطول المطر حاملاً تلك الأحلام البريئة يأتي الربيع بأزهاره فتحلو الحياة بعد المطر.
أعوام مضت لا أحد يعلم عنهم شيئاً رحلوا، ولم يُبقوا سوى الذكريات وليتهم رحلوا فقط بل ينفثون الوشايات في كل مكان يقطنون به هنا، وهناك إلى أن سئمتهم الروح ليأذن القدر لهم باللقاء فيلتقون تحت زخات المطر، سلام وابتسامة وحديث كله مر صعب النفاق وتعود الأمور لسابق عهدها. أسقط يا مطر أزلاً لحقد عنهم، أسقط ودع بذور الحب والوفاء تزيّن عالمهم، أسقط يا مطر أعد العمر لحظات قبل الممات.
كلاهما ينتظر تلك الليلة بكل جوارحهم يحلمون بولادة عالم جديد، تحدث كارثة ويتأجل موعد فرحتهم ويبدأ مسلسل الصبر الطويل. يسقط المطر من جديد ويعوضهم الكريم بفرحة أعظم وأجمل، أسقط يا مطر طوّق دنياهم بحدائق السعادة والطمأنينة، أسقط وأعزف سيمفونية أفراحه، أسقط وابن لهم من الأمان والهدوء مساحات.
أسقط يا مطر واغسل جراحها وآلامها، أسقط وبدّد الأحزان، اقض على تلك العذابات، أسقط يا مطر قبل أن يجتاحها الجفافُ والشتاتْ.
عاد المطرُ، يا حبيبةَ المطرْ..
كالمجنون أخرج إلى الشرفة لأستقبلَهْ
وكالمجنون، أتركه يبلّل وجهي..
وثيابي..
ويحوّلني إلى إسفنجة بحريّة..
المطر..
يعني عودةَ الضباب، والقراميد المبلّلة
والمواعيد المبلّلة..
يعني عودتَكِ .. وعودةَ الشعر.
أيلول .. يعني عودة يديْنا إلى الالتصاقْ
فطوال أشهر الصيف..
كانت يدُكِ مسافرة..
أيلول..
يعني عودةَ فمك، وشَعْرك
ومعاطفك، وقفّازاتك
وعطركِ الهنديّ الذي يخترقني كالسيفْ.
المطر.. يتساقط كأغنية متوحّشة
ومَطَركِ..
يتساقط في داخلي
كقرع الطبول الإفريقية
يتساقط ..
كسهام الهنود الحُمْرْ..
حبّي لكِ على صوت المطرْ..
يأخذ شكلاً آخر..
يصير سنجاباً..
يصير مهراً عربياً..
يصير بَجَعةً تسبح في ضوء القمرْ..
كلما اشتدَّ صوتُ المطرْ..
اللهم رزقاً حلالاً طيباً، اللهم صيباً هنيئًا.
يا رب ارزقني وأسعدني وطهر قلبي وأجب دعوتي.
ربّ إني أسألك بعزتك وجلالك وعظمتك أن ترزقني وتفتح لي أبواب الخير والبركة.
اللهم إني أسألك يا رب أن تنزل علي بركاتك وتفتح لي أبواب فضلك ورحمتك يا مجيب دعوة المضطرين.