محتويات

هو الصحابي الجليل سلمان الفارسي، وأصله من أصفهان وقيل من راهرمز، واسمه ونسبه في الفارسية: مابه بن بوذخشان بن مورسلان بن بهبوزان بن فيروز بن سهرك من ولد آب الملك، وبعد أن أسلم أصبح اسمه سلمان الفارسي، وكنيته أبو عبد الله، وكان يُلقّب بسلمان الخير، وسلمان ابن الإسلام.[١][٢]
نشأ سلمان الفارسي في “جي” إحدى نواحي مدينة أصبهان، وكان والده غنيًا ومالكًا لضيعة -أي مزرعة-، وكان محبًّا لابنه سلمان وحريصًا عليه؛ حيث كان يبقيه في البيت، وكان سلمان كبقية أهل فارس يعتنقون المجوسية، وهي عبادة النار، حتى أنّ سلمان كان سادن النار -أي خادمها-، حيث كان يعمل على إمدادها بالحطب لتبقى مشتعلةً، إلى أن ترك أهله باحثًا عن الدين الحق.[٣][٢]
كان سلمان الفارسي يعبد النار على الديانة المجوسية تبعًا لقومه من أهل فارس، ومرّ برحلةٍ إلى أن هداه الله إلى الإسلام، وآتيًا تلخيص قصة سلمان الفارسي حول بحثه عن الدين الحقّ إلى دخوله في الإسلام:[٤][١]
- قام والد سلمان بإرساله مرةً للاعتناء بضيعته، فمرّ في طريقه بكنيسةٍ، وسمع صلوات نصارى كانوا فيها. أعجب سلمان بما سمع، وسألهم عن صلاتهم ودينهم؛ فرأى أنّها أفضل من دينه، وسألهم أين يصل إلى هذا الدين؛ فأخبروه في الشام.
- عاد سلمان إلى والده، وأخبره بما رأى وسمع، فقيّده والده وحبسه في البيت؛ خوفًا من أن يتبعهم.
- بعث النصارى يسألون عن سلمان؛ فطلب منهم أن يخبروه إذا قدم إليهم تجّارٌ من الشام، وأرادوا العودة إليها.
- أُخبر سلمان أنّ التجار المغادرين إلى الشام؛ فتخلص من قيده، وارتحل معهم إليها.
- وصل سلمان إلى الشام، وسأل عن أفضل أهل الدين؛ فدلّوه على القساوسة، فصاحب أحدهم ليخدمه ويصلي معه، لكنّ هذا القس كان يجمع مال الصدقات؛ فيأخذها لنفسه، وتركه بعد وفاته ليلتحق بقسيس آخر.
- تنقّل طلبًا وبحثًا عن الدين الحق إلى البصرة، ثم عند رجل صالح بعمورية، ومكث عنده وتعلم منه، وعمل فاكتسب عددًا من الأبقار والأغنام، ولما احتضر الرجل، طلب منه سلمان أن يدله على آخر من أهل الدين؛ فأخبره أنّ الله سيبعث نبيًا على دين إبراهيم في أرض العرب، في منطقة فيها نخيلٌ، وعلامة نبوته أنّه يأكل من الهدية، ولا يأكل من الصدقة.
- التقى سلمان بتجار من أرض العرب، فطلب منهم أن يأخذوه معهم مقابل أن يعطيهم غنمه وأبقاره، وغدروا به وباعوه عبدًا إلى رجل من اليهود.
- عمل سلمان عند اليهودي، وقدم عليه ابن عم له من بني قريظة؛ فسمعه سلمان يتحدّث عن نبي قدم واجتمع مع أتباعه في مسجد قباء؛ فأراد سلمان أن يتثبّت من الأمر.
- أخذ سلمان مجموعةً من الرطب وذهب بها إلى النبي -عليه الصلاة والسلام-، وأخبره أنّها صدقةٌ عنده؛ فلم يأكل النبي منها، ثم أتاه سلمان مرةً أخرى بتمر، وأخبره أنّها هديةٌ أهديت إليه؛ فأكل النبي منها، ثم قدم مرةً أخرى ليرى خاتم النبوة؛ فكشف النبي عن ظهره، ورأى خاتم النبوة؛ فعرف سلمان أنّه النبي الذي أخبره عنه الرجل الصالح، فأسلم سلمان -رضي الله عنه-.
- بقي سلمان عبدًا عند اليهودي يعمل عنده إلى أنّ طلب النبي -عليه الصلاة والسلام- أن يُكاتب سيده اليهودي، فكاتبه على أن يُعتقه مقابل أن يزرع له نخيلًا ويؤدي له مالًا، ففعل سلمان ذلك بمساندة من النبي -عليه الصلاة والسلام- والصحابة -رضي الله عنهم- وأُعتق سلمان بعدها ليلتحق بالنبي والمسلمين.
شارك سلمان الفارسي -رضي الله عنه- في الغزوات مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكان أولها وأهمها غزوة الخندق؛ حيث أشار على النبي -صلى الله عليه وسلم- بحفر الخندق حاميًا للمدينة من غزو الأحزاب حين استشار النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه في القتال؛ لكنّهم احتاروا في وسيلة الدفاع؛ فتقدم سلمان الفارسيّ -رضي الله عنه- وعرض عليهم حفر الخندق في الأماكن المكشوفة من الجبال والصخور، وفعلاً تمت الموافقة على هذا الخطة العسكرية، وتعاون المسلمون على حفر الخندق، فكان سبباً من أسباب نصرهم على الأحزاب يومئذ،[٥]كما شارك سلمان الفارسي -رضي الله عنه- في بقية الغزوات بعد الخندق، وفي فتوحات العراق، وعُيّن واليًا على المدائن.[٦]
كان سلمان الفارسي -رضي الله عنه- غزير العلم بشهادة الصحابة -رضي الله عنهم- له، ومن ذلك ما رُوي عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أنّه قال فيه: “من لكم بمثل لقمان الحكيم؟” وقال فيه أيضًا: “أدرك العلم الأول والعلم الآخر، بحر لا يدرك قعره، وهو منا أهل البيت”، وقد روى سلمان -رضي الله عنه- عدة أحاديث عن النبي -عليه الصلاة والسلام-، منها: (لَا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَومَ الجُمُعَةِ، ويَتَطَهَّرُ ما اسْتَطَاعَ مِن طُهْرٍ، ويَدَّهِنُ مِن دُهْنِهِ، أوْ يَمَسُّ مِن طِيبِ بَيْتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ فلا يُفَرِّقُ بيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي ما كُتِبَ له، ثُمَّ يُنْصِتُ إذَا تَكَلَّمَ الإمَامُ، إلَّا غُفِرَ له ما بيْنَهُ وبيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى)،[٧] وروى عنه عددٍ من الصحابة مثل: ابن عباس، وأنس أبي الطّفيل، ومن التابعين عثمان النهدي وغيره.[٣][٨]
لسلمان الفارسي -رضي الله عنه- مناقب وفضائل عديدة، ومنزلةٌ رفيعة، وفيما يأتي ذكر لعدد من فضائل سلمان:[٣][١]
- هو أول من أسلم من الفرس.
- أحبّه النبي -عليه الصلاة والسلام- وكان مولى له وقريبًا منه حتى قيل: (سَلْمانُ منَّا أهْلَ البَيتِ).
- كان سلمان -رضي الله عنه- حكيمًا وفقيه نفسٍ، وشهد له النبي -عليه الصلاة والسلام- بذلك حين آخى بينه وبين أبي الدرداء كما جاء في الحديث: (آخَى النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بيْنَ سَلْمانَ، وأَبِي الدَّرْداءِ، فَزارَ سَلْمانُ أبا الدَّرْداءِ، فَرَأَى أُمَّ الدَّرْداءِ مُتَبَذِّلَةً، فقالَ لَها: ما شَأْنُكِ؟ قالَتْ: أخُوكَ أبُو الدَّرْداءِ ليسَ له حاجَةٌ في الدُّنْيا، فَجاءَ أبُو الدَّرْداءِ، فَصَنَعَ له طَعامًا، فقالَ: كُلْ فإنِّي صائِمٌ، قالَ: ما أنا بآكِلٍ حتَّى تَأْكُلَ، فأكَلَ، فَلَمَّا كانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أبُو الدَّرْداءِ يَقُومُ، فقالَ: نَمْ، فَنامَ، ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ، فقالَ: نَمْ، فَلَمَّا كانَ آخِرُ اللَّيْلِ، قالَ سَلْمانُ: قُمِ الآنَ، قالَ: فَصَلَّيا، فقالَ له سَلْمانُ: إنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، ولِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، ولِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فأعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فأتَى النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَذَكَرَ ذلكَ له، فقالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: صَدَقَ سَلْمانُ).[٩]
- عُرف سلمان -رضي الله عنه- بالزهد والتواضع.
توفي سلمان الفارسي -رضي الله عنه- في خلافة عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، ودُفن في مدينة المدائن الموجودة في العراق، ويُرجح أنّ وفاته كانت سنة 32 هـ وقيل 33 هـ،[٦] وكان قد أوصى قبل موته بوعاء فيه ماء؛ فوضع فيه المسك، ثم أمر صاحبة منزله أن ترشه حوله؛ لأنّه كان يرى خلقًا من خلق الله تعالى يشمّون الريح الطيب، ولا يأكلون الطعام، وكان يقصد بذلك الملائكة -عليهم السلام-، ثم أمرّها بعد ذلك أن تنزل من عنده؛ فلمّا غابت عنه مدةً يسيرةً صعدت إليه؛ فوجدته قد مات -رضي الله عنه-.[١١]
- ^ أ ب ت جمال الدين المزي، تهذيب الكمال في أسماء الرجال، صفحة 245-250. بتصرّف.
- ^ أ ب محمد رضا، محمد صلى الله عليه وسلم، صفحة 59. بتصرّف.
- ^ أ ب ت عبد اللطيف سلطاني، في سبيل العقيدة الإسلامية، صفحة 211-229. بتصرّف.
- ↑ شمس الدين البرماوي، اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح، صفحة 526-527. بتصرّف.
- ↑ خالد محمد خالد، رجال حول الرسول، صفحة 32-33. بتصرّف.
- ^ أ ب ابن حجر العسقلاني، الإصابة في تمييز الصحابة، صفحة 119-120. بتصرّف.
- ↑ رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن سلمان الفارسي، الصفحة أو الرقم:883، صحيح.
- ↑ شمس الدين الذهبي، تاريخ الإسلام، صفحة 511. بتصرّف.
- ↑ رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن وهب بن عبدالله السوائي، الصفحة أو الرقم:6139، حديث صحيح.
- ↑ ابن زبر الربعي، وصايا العلماء عند حضور الموت، صفحة 43. بتصرّف.









