موضوع تعبير عن العطاء

'); }

المقدمة: العطاء ديدن الطيبين

إنّ العطاء دون طلب هو ديدن الطيّبين الذي قد نشؤوا عليه، فيكون عطاؤهم عطاء الحبّ الذي لا ينتظرون معه أن يُقال لهم شكرًا على العطاء، فهم يمدّون أيديهم للناس بلا ثمن وبلا مناسبة ليقولوا لهم إنّ الخير في هذه الدنيا ما يزال موجودًا، أولئك الناس الذين ما زالوا يتقنون فن العطاء ويمدون أيديهم للناس بلا مقابل، هم الطيبون الذي قل وجودهم في هذه الدنيا.

العرض: قد يطول البلاء ليعظم العطاء

قد نظنّ العطاء يكون في الأخذ فقط، ولكن قد يمنع الله -تعالى- عنّا أشياء نعتقد أنّها من الحرمان، ولكن الحقيقة أنّنا قد نُمنَع من أشياء يتبيّن لنا لاحقًا أنّها كانت ستغدو شرًّا كبيرًا لو أتتنا، فهنا يكون هذا المنع هو العطاء، يقول أحد الصالحين وهو ابن عطاء الله السكندري: “ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك، ومتى فتح لك باب الفهم في المنع صار المنع عين العطاء”، فمن هنا قال الناس: إذا رزقت الفهم في المنع صار المنع عين العطاء.

لنا من ذكر قصص الأنبياء والصالحين حكم كبيرة، خاصة في جانب العطاء، فإنّهم قد تعرضوا لبلاء عظيم قد طال عند كثير منهم عشرات السنوات حتى جاءه الفرج فيما بعد وجاءه العطاء الكبير الذي يناسب ما كان فيه من بلاء، فعلى سبيل المثال لو نظرنا في قصة نبي الله أيوب -عليه السلام- فإنّنا سنقف مع قصة عظيمة أقرب إلى الخيال، فقد كان نبي الله أيوب -عليه السلام- يعيش في مدينة في الشام تقع اليوم جنوب تركيا، وكان ماله كثيرًا وعنده كثير من الأبناء وزوجة واحدة.

'); }

كان يدعو الناس إلى الله تعالى وينهاهم عمّا يريد الشيطان منهم أن يبقوا عليه، فجاءه الشيطان وقال له أنت تعبد الله لأنّك في رخاء ولكن لو ابتلاك الله -تعالى- بشيء مما عندك لما صبرت، فكذّبه نبي الله أيوب، وتحدّى الشيطان فامتحنه الله -تعالى- بأن سلبَ منه أوّلًا ماله، وأولاده، وصحته، فبقي في صابرًا على ابتلاءه سبع سنين، وكان الشيطان يريد منه فقط أن يقول كلمة واحدة يُبدي من خلالها سخطه على ما قد أصابه، ولكنّ النبي كان لا يقول شيئًا سوى أن يحمد الله على ما هو فيه.

قالت له مرة زوجته إنّك نبي والأنبياء دعواتهم مستجابة، فادعُ لنا أن يكشف الله عنّا ما نحن فيه، فقال لها إنّه كان في نعمة من الله سبعين سنة، فلماذا لا يصبر على البلاء سبعين عامًا أخرى، فهو -عليه السلام- كان كثير الخجل من الله -تعالى- كونه قد أنعم عليه سنوات طويلة، فكان لا يرغب حتى في الدعاء خوفًا من أن يكون في دعائه سخط على ما هو فيه.

ومرة لم يبقَ عنده في البيت ما يأكله هو وزوجته، فذهبت زوجته وقصّت ضفائرها وباعتها وجلبت بثمنها طعام، وهنا أشفق النبي -عليه السلام- على حال زوجته فدعا الله بدعاء قد ذكره القرآن الكريم فقال: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ}.[١]

هنا في هذا الدعاء نلاحظ أدب أيوب -عليه السلام- وهو يدعو، فقد نسب الضرر للشيطان، ودعا ربه بأدب، فكانت الاستجابة أنّ الله -تعالى- قد ردّ عليه صحته وعافيته ودلّه على نبع ماء اغتسل منه فعادت له صحته وعافيته، وعاد له أبناءه بعد أن ماتوا، وعادت له أمواله الكثيرة التي قد منحه الله إيّاها قبل أن يمتحنه، فهنا على قدر الصبر جاءت العطايا، وعلى قدر طول الانتظار والبلاء كان حجم العطاء كبيرًا جدًّا، فقد صبر أيوب -عليه السلام- كثيرًا على البلاء وقاوم الشيطان وانتصر عليه في هذه السنوات السبع.

لقد كان المنع في هذه السنوات السبع هو عطاء من جهة أخرى للنبي أيوب عليه السلام، فلو أعطاه الله -تعالى- ما يريد في هذه السنوات السبع لاعتقد الشيطان أنّه انتصر عليه، ولكن أراد الله -تعالى- أن يعطي نبيّه هذا الشرف العظيم ويجعله يتحدى الشيطان ويهزمه ويثبت له أنّ الإيمان الحقيقي بالله -تعالى- لا يعادله شيء آخر مهما كان.

فكان هذا المنع هو عطاء للنبي أيوب عليه السلام، ولذلك فقد كافأه الله -تعالى- على هذا الصبر الشديد على البلاء الطويل بأن أعاد له كلّ ما كان عنده ورزقه بأبناء إضافة لأبنائه، فكان العطاء عظيمًا بعِظَم البلاء وامتداده. فمن هذه القصة ندرك أن البلاء إئا طال، طال بعده العطاء، وأن المنع في كثير من الأحيان يكون هو العطاء بعينه، وقد يكون أكثر العطاء في المنه، لكننا نحن البشر قد لا ندرك ذلك إلا بعد وقت طويل. 

أولئك الناس الذين قد قرأنا عنهم في القصص الخيالية نراهم اليوم في الواقع لا الخيال فيكونون أنبل من الخيال وأشدّ كرمًا، أولئك الذين ما تزال يد العطاء ممدودة لهم ما داموا يمدون أيديهم للناس في كل وقت وحين.

الخاتمة: الإنسان الوفي لا يندم على العطاء

إنّ العطاء والإحسان مفهومان متلازمان لا ينفصلان، فلو كان الإنسان يفعل المعروف ثمّ يمنّ به فهذا لم ينل من معروفه شيئًا يذكر، ولكن من كمال العطاء أن يكون فيه إحسان، والإحسان لا يكون مع المنّة بالعطاء، لذلك فالوفي لا يندم على العطاء مهما كان الذي يلقاه من الناس من أذى أو أيّ شيء آخر قد يجعل الإنسان العادي يندم على ما فعله، ولكن من تأصّل فيه طبع أو لازمته سجيّة فإنّه يحتفظ بها وتكون معه حتى وفاته ولا تتأثّر بالمحيط الخارجي.

المراجع

  1. سورة ص، آية:41
Exit mobile version