عبادات

فضل قراءة القرآن في شهر رمضان

فضل تلاوة القرآن الكريم في رمضان

يُستحَبّ الإكثار من تلاوة القرآن الكريم، ومدارسته في رمضان، ويُستحَبّ أيضاً الاجتماع في المساجد من أجل تلاوته، قال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: (ما اجْتَمع قَوْمٌ في بَيْتٍ مِن بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عليهمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ المَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَن عِنْدَهُ)،[١] وقد ورد أنّ رسول الله كان يتدارس القرآن بين يدَي جبريل ليلاً؛ ففي الليل تتجلّى السّكينة والأُنْس، ويصفو فِكَر المرء ممّا يُعكّره، ويُستحَبّ أيضاً أن يتطهّر المسلم، ويتوجّه إلى القبلة حين تلاوته، ويجوز أن يقرأه في أحواله جميعها؛ أثناء قيامه، وقعوده، واضطجاعه، وركوبه؛ فهو من ذكر الله، وقد قال الله -تعالى-: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّـهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ)،[٢] وينال المسلم مثوبةً أكبر عند تلاوة القرآن بتدبُّر؛ بحيث يفهم ما يقرأ، ويمتثل له؛ فيأتمر بالمأمور، وينتهي عن المَنهيّ عنه، ويستعيذ من المعوذ منه، ويسأل الله الهدى والجنة، وبهذا يكون القرآن حجّة له، لا عليه.[٣]

إضافة إلى أنّ الصيام والقرآن شفيعان لصاحبهما يوم القيامة؛ فالصيام يمنع صاحبه من الطعام والشراب والشهوة، والقرآن يمنع صاحبه النوم في الليل؛ ليقرأه، وقد مدح رسول الله أهل القرآن الذين يعيشون معه، ويقرأون آياته، ويتدبّرون معانيه؛ فقال: (خَيْرُكُمْ مَن تَعَلَّمَ القُرْآنَ وعَلَّمَهُ)،[٤]وقد أجْزل المولى سبحانه لهم العطاء؛ فترقى بهم تلاوتهم إلى الدّرجات العُلى في الجنة، كما أنّ بكلّ حرفٍ يقرؤه المسلم من كتاب الله حسنة، والحسنة بعشرة أمثالها، والله -عزّ وجلّ- يضاعف أجر قارىء القرآن؛ ثواباً له،[٥] وتدبُّر القراءة يدعو إلى التفكُّر، وكلّما قرأ المسلم المزيد من الآيات زاد إقباله على الله تعالى؛ لما يرى من الثواب المُمتدّ الذي أعدّه الله لعباده المُتّقين، وما أعدّه الله من العذاب للكافرين الذين خرجوا عن طاعته -تعالى-، وبين تلك الآيات جميعها يقرأ دعوة الله عباده إلى التوبة، وكلّ ذلك يُؤدّي به إلى النجاة من عقاب الله، والفوز برضوانه.[٦]

للمزيد من التفاصيل حول أجر تلاوة القرآن الاطّلاع على مقالة: ((ما هو أجر ختم القرآن)).

رمضان شهر القرآن

أنزل الله -عزّ وجلّ- القرآن الكريم على سيّدنا محمد -صلّى الله عليه وسلّم- في العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك، قال -تعالى-: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ)،[٧] وفي ليلة القدر تحديداً؛ قال -تعالى-: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)،[٨] وممّا يدلّ على ارتباط القرآن الكريم بشهر رمضان وأهمية تلاوته فيه أنّ النبيّ -عليه الصلاة والسلام- كان يعرضه على جبريل -عليه السلام- في رمضان من كلّ عام، وفي العام الذي تُوفّي فيه رسول الله، عَرَضه عليه مرَّتَين.[٩] وقد خصّ الله تعالى شهر رمضان بنزول القرآن فيه؛ فقِيل إنّ الله أنزله إلى السماء دفعة واحدة في رمضان، ثمّ أنزله مُجزّأً على قلب النبيّ -صلى الله عليه وسلم-، وقيل إنّ أوّل نزوله كان في شهر رمضان، وفي ليلة القدر تحديداً، وقد كان السلف الصالح يظهرون اهتمامهم بالقرآن في هذا الشهر الفضيل؛ فمنهم من كان يختم القرآن كلّ عشرة أيام، ومنهم كلّ سبعة أيام، ومنهم كلّ ثلاثة أيام.[١٠]

مسائل مُتعلّقة بقراءة القرآن الكريم في رمضان

أشكال قراءة القرآن الكريم في رمضان

تختلف أساليب ومظاهر قراءة القرآن باختلاف غاية القارئ منها، وتأخذ القراءة تبعاً لذلك أشكالاً عدّة، بيانها فيما يأتي:

  • قراءة الثواب والختم: وبهذه الطّريقة يهدِف القارئ إلى قراءة أكبر قدر من سور القرآن وآياته، والمرور على كلّ كلماته وحروفه حتى يختم القرآن كلّه، ويكرّر ذلك ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وهو بذلك يرجو تحصيل ثواب تلك الختمات، كما قال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: (مَن قرأَ حرفًا من كتابِ اللَّهِ فلَهُ بِهِ حسنةٌ، والحسنةُ بعشرِ أمثالِها، لا أقولُ آلم حرفٌ، ولَكِن ألِفٌ حرفٌ وميمٌ حرفٌ)،[١١] ويعدّ هذا الشّكل من القراءة الأكثر انتشاراً بين عامّة المسلمين، لِما ورَد في الحديث من أنّ الثواب فيها يناله كلّ قارئ من غير ضرورة الوقوف على فهم الآيات ودلالاته.[١٢]
  • قراءة التدبُّر والتأمُّل: وتهدف هذه القراءة إلى التفكُّر في كلام الله -تعالى-، وكلّ ما جاء به القرآن من المأمورات، والمَنهيّات، والإرشادات، وهي من أفضل أنواع القراءات، علماً أنّها واردة في قوله -تعالى-: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ)،[١٣] ويُشار إلى أنّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- كان قد قام في ليلة، وقرأ فيها سورة البقرة، وآل عمران، والنساء، مُتدبّراً إيّاها، ومُستعيذاً ممّا جاء فيها من آيات التخويف، وسائلاً الله الرحمة فيما جاء من آيات الترغيب، وقد سار على هذا النهج في القراءة المُفسِّرون منذ زمن الصحابة إلى الزمن الحاليّ؛ لأنّ عمل المُفسّر الأساسيّ هو تدبُّر كلام الله -تعالى-، والتأمُّل فيه؛ فالتدبُّر يُعدّ الركيزة الأساسية لعلم التفسير، ويندرج تحت هذا النوع من القراءة ما يكون لأجل الغايات البحثية والأكاديمية، وهو على مراتب تختلف باختلاف الهدف من القراءة، واختلاف المستوى العلميّ للقارئ.[١٤]
  • قراءة الحفظ والمراجعة: ويتمّ اتّباعها من قِبل الذين يحفظون القرآن غيباً؛ وغايتهم فيها إلى جانب الأجر، تثبيت القرآن في صدروهم؛ من خلال تكرار الحفظ، وترديد الآيات، وهي مسؤولية كبيرة تقع على عاتق حُفّاظ القرآن الكريم، وهذا النوع يفيد كتّاب المصاحف من تمكين الكتابة بمراجعة الحفّاظ، قال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: (تَعاهَدُوا هذا القُرْآنَ، فَوالذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ لَهو أشَدُّ تَفَلُّتًا مِنَ الإبِلِ في عُقُلِها).[١٥][١٦]

كيفية قراءة القرآن في رمضان وفي غيره

تُعَدّ الأنواع الثلاثة التي تمّت الإشارة إليها، والالتزام بها أمراً ضروريّاً للمسلم؛ فالقراءة التي يريد بها صاحبها الثواب والختم تكون بقراءة جزء من القرآن بشكلّ يوميّ ودوريّ، فيكون قد ختمه في كلّ شهر مرّة، أمّا قراءة الحفظ فيكون حريصاً على أن يحفظ ما يمكنه من الآيات ولو كانت آية واحدة في كلّ يوم، فيكون في نهاية كلّ عام قد حفظ عدداً لا بأس به من الآيات، ثمّ يحاول ما أمكنه أن يفهم الآيات التي حفظها ويتدبّرها، ومع مرور الزمن يكون قد فهم آيات القرآن الكريم كاملاً.[١٧]

للمزيد من التفاصيل عن مقالات ذات علاقة الاطّلاع على المقالات الآتية:

المراجع

  1. رواه مسلم ، في صحيح مسلم ، عن أبي هريرة ، الصفحة أو الرقم: 2699، صحيح.
  2. سورة آل عمران ، آية: 191.
  3. عبد الله الجار الله ، أسباب المغفرة في رمضان ، الرياض: مكتبة دار الحميضي ، صفحة 14-15. بتصرّف.
  4. رواه البخاري ، في صحيح البخاري ، عن عثمان بن عفان ، الصفحة أو الرقم: 5027 ، صحيح .
  5. عائض القرني ، دروس الشيخ عائض القرني ، صفحة 4-5. بتصرّف.
  6. سليمان العودة ، شعاع من المحراب، الرياض: دار المغني ، صفحة 159، جزء 1. بتصرّف.
  7. سورة البقرة ، آية: 185.
  8. سورة القدر، آية: 1.
  9. سعيد القحطاني ، عظمة القرآن وتعظيمه وأثره في النفوس في ضوء الكتاب والسنة، الرياض: مطبعة سفير ، صفحة 7. بتصرّف.
  10. أحمد فريد ، مجالس رمضان، صفحة 2، جزء 9. بتصرّف.
  11. رواه الألباني ، في صحيح الترمذي ، عن عبد الله بن مسعود ، الصفحة أو الرقم: 2910، صحيح .
  12. سهيل قاسم ‏ (2009)، كيف تقرأ القرآن في رمضان وغيره من شهور العام (الطبعة الأولى )، المدينة المنورة : دار الخضيري ، صفحة 7. بتصرّف.
  13. سورة ص، آية: 29.
  14. سهيل قاسم ‏ (2009)، كيف تقرأ القرآن في رمضان وغيره من شهور العام (الطبعة الأولى )، المدينة المنورة : دار الخضيري ، صفحة 11-12. بتصرّف.
  15. رواه مسلم ، في صحيح مسلم ، عن أبي موسى الأشعري ، الصفحة أو الرقم: 791، صحيح .
  16. سهيل قاسم ‏ (2009)، ‎ كيف تقرأ القرآن في رمضان وغيره من شهور العام (الطبعة الأولى)، المدينة المنورة: دار الخضيري، صفحة 17-18. بتصرّف.
  17. صلاح الخالدي ، مفاتيح للتعامل مع القرآن (الطبعة الثالثة )، دمشق: دار القلم، صفحة 68-69. بتصرّف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق

مقالات ذات صلة

فضل تلاوة القرآن الكريم في رمضان

يُستحَبّ الإكثار من تلاوة القرآن الكريم، ومدارسته في رمضان، ويُستحَبّ أيضاً الاجتماع في المساجد من أجل تلاوته، قال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: (ما اجْتَمع قَوْمٌ في بَيْتٍ مِن بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عليهمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ المَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَن عِنْدَهُ)،[١] وقد ورد أنّ رسول الله كان يتدارس القرآن بين يدَي جبريل ليلاً؛ ففي الليل تتجلّى السّكينة والأُنْس، ويصفو فِكَر المرء ممّا يُعكّره، ويُستحَبّ أيضاً أن يتطهّر المسلم، ويتوجّه إلى القبلة حين تلاوته، ويجوز أن يقرأه في أحواله جميعها؛ أثناء قيامه، وقعوده، واضطجاعه، وركوبه؛ فهو من ذكر الله، وقد قال الله -تعالى-: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّـهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ)،[٢] وينال المسلم مثوبةً أكبر عند تلاوة القرآن بتدبُّر؛ بحيث يفهم ما يقرأ، ويمتثل له؛ فيأتمر بالمأمور، وينتهي عن المَنهيّ عنه، ويستعيذ من المعوذ منه، ويسأل الله الهدى والجنة، وبهذا يكون القرآن حجّة له، لا عليه.[٣]

إضافة إلى أنّ الصيام والقرآن شفيعان لصاحبهما يوم القيامة؛ فالصيام يمنع صاحبه من الطعام والشراب والشهوة، والقرآن يمنع صاحبه النوم في الليل؛ ليقرأه، وقد مدح رسول الله أهل القرآن الذين يعيشون معه، ويقرأون آياته، ويتدبّرون معانيه؛ فقال: (خَيْرُكُمْ مَن تَعَلَّمَ القُرْآنَ وعَلَّمَهُ)،[٤]وقد أجْزل المولى سبحانه لهم العطاء؛ فترقى بهم تلاوتهم إلى الدّرجات العُلى في الجنة، كما أنّ بكلّ حرفٍ يقرؤه المسلم من كتاب الله حسنة، والحسنة بعشرة أمثالها، والله -عزّ وجلّ- يضاعف أجر قارىء القرآن؛ ثواباً له،[٥] وتدبُّر القراءة يدعو إلى التفكُّر، وكلّما قرأ المسلم المزيد من الآيات زاد إقباله على الله تعالى؛ لما يرى من الثواب المُمتدّ الذي أعدّه الله لعباده المُتّقين، وما أعدّه الله من العذاب للكافرين الذين خرجوا عن طاعته -تعالى-، وبين تلك الآيات جميعها يقرأ دعوة الله عباده إلى التوبة، وكلّ ذلك يُؤدّي به إلى النجاة من عقاب الله، والفوز برضوانه.[٦]

للمزيد من التفاصيل حول أجر تلاوة القرآن الاطّلاع على مقالة: ((ما هو أجر ختم القرآن)).

رمضان شهر القرآن

أنزل الله -عزّ وجلّ- القرآن الكريم على سيّدنا محمد -صلّى الله عليه وسلّم- في العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك، قال -تعالى-: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ)،[٧] وفي ليلة القدر تحديداً؛ قال -تعالى-: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)،[٨] وممّا يدلّ على ارتباط القرآن الكريم بشهر رمضان وأهمية تلاوته فيه أنّ النبيّ -عليه الصلاة والسلام- كان يعرضه على جبريل -عليه السلام- في رمضان من كلّ عام، وفي العام الذي تُوفّي فيه رسول الله، عَرَضه عليه مرَّتَين.[٩] وقد خصّ الله تعالى شهر رمضان بنزول القرآن فيه؛ فقِيل إنّ الله أنزله إلى السماء دفعة واحدة في رمضان، ثمّ أنزله مُجزّأً على قلب النبيّ -صلى الله عليه وسلم-، وقيل إنّ أوّل نزوله كان في شهر رمضان، وفي ليلة القدر تحديداً، وقد كان السلف الصالح يظهرون اهتمامهم بالقرآن في هذا الشهر الفضيل؛ فمنهم من كان يختم القرآن كلّ عشرة أيام، ومنهم كلّ سبعة أيام، ومنهم كلّ ثلاثة أيام.[١٠]

مسائل مُتعلّقة بقراءة القرآن الكريم في رمضان

أشكال قراءة القرآن الكريم في رمضان

تختلف أساليب ومظاهر قراءة القرآن باختلاف غاية القارئ منها، وتأخذ القراءة تبعاً لذلك أشكالاً عدّة، بيانها فيما يأتي:

  • قراءة الثواب والختم: وبهذه الطّريقة يهدِف القارئ إلى قراءة أكبر قدر من سور القرآن وآياته، والمرور على كلّ كلماته وحروفه حتى يختم القرآن كلّه، ويكرّر ذلك ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وهو بذلك يرجو تحصيل ثواب تلك الختمات، كما قال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: (مَن قرأَ حرفًا من كتابِ اللَّهِ فلَهُ بِهِ حسنةٌ، والحسنةُ بعشرِ أمثالِها، لا أقولُ آلم حرفٌ، ولَكِن ألِفٌ حرفٌ وميمٌ حرفٌ)،[١١] ويعدّ هذا الشّكل من القراءة الأكثر انتشاراً بين عامّة المسلمين، لِما ورَد في الحديث من أنّ الثواب فيها يناله كلّ قارئ من غير ضرورة الوقوف على فهم الآيات ودلالاته.[١٢]
  • قراءة التدبُّر والتأمُّل: وتهدف هذه القراءة إلى التفكُّر في كلام الله -تعالى-، وكلّ ما جاء به القرآن من المأمورات، والمَنهيّات، والإرشادات، وهي من أفضل أنواع القراءات، علماً أنّها واردة في قوله -تعالى-: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ)،[١٣] ويُشار إلى أنّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- كان قد قام في ليلة، وقرأ فيها سورة البقرة، وآل عمران، والنساء، مُتدبّراً إيّاها، ومُستعيذاً ممّا جاء فيها من آيات التخويف، وسائلاً الله الرحمة فيما جاء من آيات الترغيب، وقد سار على هذا النهج في القراءة المُفسِّرون منذ زمن الصحابة إلى الزمن الحاليّ؛ لأنّ عمل المُفسّر الأساسيّ هو تدبُّر كلام الله -تعالى-، والتأمُّل فيه؛ فالتدبُّر يُعدّ الركيزة الأساسية لعلم التفسير، ويندرج تحت هذا النوع من القراءة ما يكون لأجل الغايات البحثية والأكاديمية، وهو على مراتب تختلف باختلاف الهدف من القراءة، واختلاف المستوى العلميّ للقارئ.[١٤]
  • قراءة الحفظ والمراجعة: ويتمّ اتّباعها من قِبل الذين يحفظون القرآن غيباً؛ وغايتهم فيها إلى جانب الأجر، تثبيت القرآن في صدروهم؛ من خلال تكرار الحفظ، وترديد الآيات، وهي مسؤولية كبيرة تقع على عاتق حُفّاظ القرآن الكريم، وهذا النوع يفيد كتّاب المصاحف من تمكين الكتابة بمراجعة الحفّاظ، قال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: (تَعاهَدُوا هذا القُرْآنَ، فَوالذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ لَهو أشَدُّ تَفَلُّتًا مِنَ الإبِلِ في عُقُلِها).[١٥][١٦]

كيفية قراءة القرآن في رمضان وفي غيره

تُعَدّ الأنواع الثلاثة التي تمّت الإشارة إليها، والالتزام بها أمراً ضروريّاً للمسلم؛ فالقراءة التي يريد بها صاحبها الثواب والختم تكون بقراءة جزء من القرآن بشكلّ يوميّ ودوريّ، فيكون قد ختمه في كلّ شهر مرّة، أمّا قراءة الحفظ فيكون حريصاً على أن يحفظ ما يمكنه من الآيات ولو كانت آية واحدة في كلّ يوم، فيكون في نهاية كلّ عام قد حفظ عدداً لا بأس به من الآيات، ثمّ يحاول ما أمكنه أن يفهم الآيات التي حفظها ويتدبّرها، ومع مرور الزمن يكون قد فهم آيات القرآن الكريم كاملاً.[١٧]

للمزيد من التفاصيل عن مقالات ذات علاقة الاطّلاع على المقالات الآتية:

المراجع

  1. رواه مسلم ، في صحيح مسلم ، عن أبي هريرة ، الصفحة أو الرقم: 2699، صحيح.
  2. سورة آل عمران ، آية: 191.
  3. عبد الله الجار الله ، أسباب المغفرة في رمضان ، الرياض: مكتبة دار الحميضي ، صفحة 14-15. بتصرّف.
  4. رواه البخاري ، في صحيح البخاري ، عن عثمان بن عفان ، الصفحة أو الرقم: 5027 ، صحيح .
  5. عائض القرني ، دروس الشيخ عائض القرني ، صفحة 4-5. بتصرّف.
  6. سليمان العودة ، شعاع من المحراب، الرياض: دار المغني ، صفحة 159، جزء 1. بتصرّف.
  7. سورة البقرة ، آية: 185.
  8. سورة القدر، آية: 1.
  9. سعيد القحطاني ، عظمة القرآن وتعظيمه وأثره في النفوس في ضوء الكتاب والسنة، الرياض: مطبعة سفير ، صفحة 7. بتصرّف.
  10. أحمد فريد ، مجالس رمضان، صفحة 2، جزء 9. بتصرّف.
  11. رواه الألباني ، في صحيح الترمذي ، عن عبد الله بن مسعود ، الصفحة أو الرقم: 2910، صحيح .
  12. سهيل قاسم ‏ (2009)، كيف تقرأ القرآن في رمضان وغيره من شهور العام (الطبعة الأولى )، المدينة المنورة : دار الخضيري ، صفحة 7. بتصرّف.
  13. سورة ص، آية: 29.
  14. سهيل قاسم ‏ (2009)، كيف تقرأ القرآن في رمضان وغيره من شهور العام (الطبعة الأولى )، المدينة المنورة : دار الخضيري ، صفحة 11-12. بتصرّف.
  15. رواه مسلم ، في صحيح مسلم ، عن أبي موسى الأشعري ، الصفحة أو الرقم: 791، صحيح .
  16. سهيل قاسم ‏ (2009)، ‎ كيف تقرأ القرآن في رمضان وغيره من شهور العام (الطبعة الأولى)، المدينة المنورة: دار الخضيري، صفحة 17-18. بتصرّف.
  17. صلاح الخالدي ، مفاتيح للتعامل مع القرآن (الطبعة الثالثة )، دمشق: دار القلم، صفحة 68-69. بتصرّف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق

فضل تلاوة القرآن الكريم في رمضان

يُستحَبّ الإكثار من تلاوة القرآن الكريم، ومدارسته في رمضان، ويُستحَبّ أيضاً الاجتماع في المساجد من أجل تلاوته، قال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: (ما اجْتَمع قَوْمٌ في بَيْتٍ مِن بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عليهمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ المَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَن عِنْدَهُ)،[١] وقد ورد أنّ رسول الله كان يتدارس القرآن بين يدَي جبريل ليلاً؛ ففي الليل تتجلّى السّكينة والأُنْس، ويصفو فِكَر المرء ممّا يُعكّره، ويُستحَبّ أيضاً أن يتطهّر المسلم، ويتوجّه إلى القبلة حين تلاوته، ويجوز أن يقرأه في أحواله جميعها؛ أثناء قيامه، وقعوده، واضطجاعه، وركوبه؛ فهو من ذكر الله، وقد قال الله -تعالى-: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّـهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ)،[٢] وينال المسلم مثوبةً أكبر عند تلاوة القرآن بتدبُّر؛ بحيث يفهم ما يقرأ، ويمتثل له؛ فيأتمر بالمأمور، وينتهي عن المَنهيّ عنه، ويستعيذ من المعوذ منه، ويسأل الله الهدى والجنة، وبهذا يكون القرآن حجّة له، لا عليه.[٣]

إضافة إلى أنّ الصيام والقرآن شفيعان لصاحبهما يوم القيامة؛ فالصيام يمنع صاحبه من الطعام والشراب والشهوة، والقرآن يمنع صاحبه النوم في الليل؛ ليقرأه، وقد مدح رسول الله أهل القرآن الذين يعيشون معه، ويقرأون آياته، ويتدبّرون معانيه؛ فقال: (خَيْرُكُمْ مَن تَعَلَّمَ القُرْآنَ وعَلَّمَهُ)،[٤]وقد أجْزل المولى سبحانه لهم العطاء؛ فترقى بهم تلاوتهم إلى الدّرجات العُلى في الجنة، كما أنّ بكلّ حرفٍ يقرؤه المسلم من كتاب الله حسنة، والحسنة بعشرة أمثالها، والله -عزّ وجلّ- يضاعف أجر قارىء القرآن؛ ثواباً له،[٥] وتدبُّر القراءة يدعو إلى التفكُّر، وكلّما قرأ المسلم المزيد من الآيات زاد إقباله على الله تعالى؛ لما يرى من الثواب المُمتدّ الذي أعدّه الله لعباده المُتّقين، وما أعدّه الله من العذاب للكافرين الذين خرجوا عن طاعته -تعالى-، وبين تلك الآيات جميعها يقرأ دعوة الله عباده إلى التوبة، وكلّ ذلك يُؤدّي به إلى النجاة من عقاب الله، والفوز برضوانه.[٦]

للمزيد من التفاصيل حول أجر تلاوة القرآن الاطّلاع على مقالة: ((ما هو أجر ختم القرآن)).

رمضان شهر القرآن

أنزل الله -عزّ وجلّ- القرآن الكريم على سيّدنا محمد -صلّى الله عليه وسلّم- في العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك، قال -تعالى-: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ)،[٧] وفي ليلة القدر تحديداً؛ قال -تعالى-: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)،[٨] وممّا يدلّ على ارتباط القرآن الكريم بشهر رمضان وأهمية تلاوته فيه أنّ النبيّ -عليه الصلاة والسلام- كان يعرضه على جبريل -عليه السلام- في رمضان من كلّ عام، وفي العام الذي تُوفّي فيه رسول الله، عَرَضه عليه مرَّتَين.[٩] وقد خصّ الله تعالى شهر رمضان بنزول القرآن فيه؛ فقِيل إنّ الله أنزله إلى السماء دفعة واحدة في رمضان، ثمّ أنزله مُجزّأً على قلب النبيّ -صلى الله عليه وسلم-، وقيل إنّ أوّل نزوله كان في شهر رمضان، وفي ليلة القدر تحديداً، وقد كان السلف الصالح يظهرون اهتمامهم بالقرآن في هذا الشهر الفضيل؛ فمنهم من كان يختم القرآن كلّ عشرة أيام، ومنهم كلّ سبعة أيام، ومنهم كلّ ثلاثة أيام.[١٠]

مسائل مُتعلّقة بقراءة القرآن الكريم في رمضان

أشكال قراءة القرآن الكريم في رمضان

تختلف أساليب ومظاهر قراءة القرآن باختلاف غاية القارئ منها، وتأخذ القراءة تبعاً لذلك أشكالاً عدّة، بيانها فيما يأتي:

  • قراءة الثواب والختم: وبهذه الطّريقة يهدِف القارئ إلى قراءة أكبر قدر من سور القرآن وآياته، والمرور على كلّ كلماته وحروفه حتى يختم القرآن كلّه، ويكرّر ذلك ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وهو بذلك يرجو تحصيل ثواب تلك الختمات، كما قال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: (مَن قرأَ حرفًا من كتابِ اللَّهِ فلَهُ بِهِ حسنةٌ، والحسنةُ بعشرِ أمثالِها، لا أقولُ آلم حرفٌ، ولَكِن ألِفٌ حرفٌ وميمٌ حرفٌ)،[١١] ويعدّ هذا الشّكل من القراءة الأكثر انتشاراً بين عامّة المسلمين، لِما ورَد في الحديث من أنّ الثواب فيها يناله كلّ قارئ من غير ضرورة الوقوف على فهم الآيات ودلالاته.[١٢]
  • قراءة التدبُّر والتأمُّل: وتهدف هذه القراءة إلى التفكُّر في كلام الله -تعالى-، وكلّ ما جاء به القرآن من المأمورات، والمَنهيّات، والإرشادات، وهي من أفضل أنواع القراءات، علماً أنّها واردة في قوله -تعالى-: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ)،[١٣] ويُشار إلى أنّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- كان قد قام في ليلة، وقرأ فيها سورة البقرة، وآل عمران، والنساء، مُتدبّراً إيّاها، ومُستعيذاً ممّا جاء فيها من آيات التخويف، وسائلاً الله الرحمة فيما جاء من آيات الترغيب، وقد سار على هذا النهج في القراءة المُفسِّرون منذ زمن الصحابة إلى الزمن الحاليّ؛ لأنّ عمل المُفسّر الأساسيّ هو تدبُّر كلام الله -تعالى-، والتأمُّل فيه؛ فالتدبُّر يُعدّ الركيزة الأساسية لعلم التفسير، ويندرج تحت هذا النوع من القراءة ما يكون لأجل الغايات البحثية والأكاديمية، وهو على مراتب تختلف باختلاف الهدف من القراءة، واختلاف المستوى العلميّ للقارئ.[١٤]
  • قراءة الحفظ والمراجعة: ويتمّ اتّباعها من قِبل الذين يحفظون القرآن غيباً؛ وغايتهم فيها إلى جانب الأجر، تثبيت القرآن في صدروهم؛ من خلال تكرار الحفظ، وترديد الآيات، وهي مسؤولية كبيرة تقع على عاتق حُفّاظ القرآن الكريم، وهذا النوع يفيد كتّاب المصاحف من تمكين الكتابة بمراجعة الحفّاظ، قال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: (تَعاهَدُوا هذا القُرْآنَ، فَوالذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ لَهو أشَدُّ تَفَلُّتًا مِنَ الإبِلِ في عُقُلِها).[١٥][١٦]

كيفية قراءة القرآن في رمضان وفي غيره

تُعَدّ الأنواع الثلاثة التي تمّت الإشارة إليها، والالتزام بها أمراً ضروريّاً للمسلم؛ فالقراءة التي يريد بها صاحبها الثواب والختم تكون بقراءة جزء من القرآن بشكلّ يوميّ ودوريّ، فيكون قد ختمه في كلّ شهر مرّة، أمّا قراءة الحفظ فيكون حريصاً على أن يحفظ ما يمكنه من الآيات ولو كانت آية واحدة في كلّ يوم، فيكون في نهاية كلّ عام قد حفظ عدداً لا بأس به من الآيات، ثمّ يحاول ما أمكنه أن يفهم الآيات التي حفظها ويتدبّرها، ومع مرور الزمن يكون قد فهم آيات القرآن الكريم كاملاً.[١٧]

للمزيد من التفاصيل عن مقالات ذات علاقة الاطّلاع على المقالات الآتية:

المراجع

  1. رواه مسلم ، في صحيح مسلم ، عن أبي هريرة ، الصفحة أو الرقم: 2699، صحيح.
  2. سورة آل عمران ، آية: 191.
  3. عبد الله الجار الله ، أسباب المغفرة في رمضان ، الرياض: مكتبة دار الحميضي ، صفحة 14-15. بتصرّف.
  4. رواه البخاري ، في صحيح البخاري ، عن عثمان بن عفان ، الصفحة أو الرقم: 5027 ، صحيح .
  5. عائض القرني ، دروس الشيخ عائض القرني ، صفحة 4-5. بتصرّف.
  6. سليمان العودة ، شعاع من المحراب، الرياض: دار المغني ، صفحة 159، جزء 1. بتصرّف.
  7. سورة البقرة ، آية: 185.
  8. سورة القدر، آية: 1.
  9. سعيد القحطاني ، عظمة القرآن وتعظيمه وأثره في النفوس في ضوء الكتاب والسنة، الرياض: مطبعة سفير ، صفحة 7. بتصرّف.
  10. أحمد فريد ، مجالس رمضان، صفحة 2، جزء 9. بتصرّف.
  11. رواه الألباني ، في صحيح الترمذي ، عن عبد الله بن مسعود ، الصفحة أو الرقم: 2910، صحيح .
  12. سهيل قاسم ‏ (2009)، كيف تقرأ القرآن في رمضان وغيره من شهور العام (الطبعة الأولى )، المدينة المنورة : دار الخضيري ، صفحة 7. بتصرّف.
  13. سورة ص، آية: 29.
  14. سهيل قاسم ‏ (2009)، كيف تقرأ القرآن في رمضان وغيره من شهور العام (الطبعة الأولى )، المدينة المنورة : دار الخضيري ، صفحة 11-12. بتصرّف.
  15. رواه مسلم ، في صحيح مسلم ، عن أبي موسى الأشعري ، الصفحة أو الرقم: 791، صحيح .
  16. سهيل قاسم ‏ (2009)، ‎ كيف تقرأ القرآن في رمضان وغيره من شهور العام (الطبعة الأولى)، المدينة المنورة: دار الخضيري، صفحة 17-18. بتصرّف.
  17. صلاح الخالدي ، مفاتيح للتعامل مع القرآن (الطبعة الثالثة )، دمشق: دار القلم، صفحة 68-69. بتصرّف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

فضل تلاوة القرآن الكريم في رمضان

يُستحَبّ الإكثار من تلاوة القرآن الكريم، ومدارسته في رمضان، ويُستحَبّ أيضاً الاجتماع في المساجد من أجل تلاوته، قال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: (ما اجْتَمع قَوْمٌ في بَيْتٍ مِن بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عليهمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ المَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَن عِنْدَهُ)،[١] وقد ورد أنّ رسول الله كان يتدارس القرآن بين يدَي جبريل ليلاً؛ ففي الليل تتجلّى السّكينة والأُنْس، ويصفو فِكَر المرء ممّا يُعكّره، ويُستحَبّ أيضاً أن يتطهّر المسلم، ويتوجّه إلى القبلة حين تلاوته، ويجوز أن يقرأه في أحواله جميعها؛ أثناء قيامه، وقعوده، واضطجاعه، وركوبه؛ فهو من ذكر الله، وقد قال الله -تعالى-: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّـهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ)،[٢] وينال المسلم مثوبةً أكبر عند تلاوة القرآن بتدبُّر؛ بحيث يفهم ما يقرأ، ويمتثل له؛ فيأتمر بالمأمور، وينتهي عن المَنهيّ عنه، ويستعيذ من المعوذ منه، ويسأل الله الهدى والجنة، وبهذا يكون القرآن حجّة له، لا عليه.[٣]

إضافة إلى أنّ الصيام والقرآن شفيعان لصاحبهما يوم القيامة؛ فالصيام يمنع صاحبه من الطعام والشراب والشهوة، والقرآن يمنع صاحبه النوم في الليل؛ ليقرأه، وقد مدح رسول الله أهل القرآن الذين يعيشون معه، ويقرأون آياته، ويتدبّرون معانيه؛ فقال: (خَيْرُكُمْ مَن تَعَلَّمَ القُرْآنَ وعَلَّمَهُ)،[٤]وقد أجْزل المولى سبحانه لهم العطاء؛ فترقى بهم تلاوتهم إلى الدّرجات العُلى في الجنة، كما أنّ بكلّ حرفٍ يقرؤه المسلم من كتاب الله حسنة، والحسنة بعشرة أمثالها، والله -عزّ وجلّ- يضاعف أجر قارىء القرآن؛ ثواباً له،[٥] وتدبُّر القراءة يدعو إلى التفكُّر، وكلّما قرأ المسلم المزيد من الآيات زاد إقباله على الله تعالى؛ لما يرى من الثواب المُمتدّ الذي أعدّه الله لعباده المُتّقين، وما أعدّه الله من العذاب للكافرين الذين خرجوا عن طاعته -تعالى-، وبين تلك الآيات جميعها يقرأ دعوة الله عباده إلى التوبة، وكلّ ذلك يُؤدّي به إلى النجاة من عقاب الله، والفوز برضوانه.[٦]

للمزيد من التفاصيل حول أجر تلاوة القرآن الاطّلاع على مقالة: ((ما هو أجر ختم القرآن)).

رمضان شهر القرآن

أنزل الله -عزّ وجلّ- القرآن الكريم على سيّدنا محمد -صلّى الله عليه وسلّم- في العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك، قال -تعالى-: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ)،[٧] وفي ليلة القدر تحديداً؛ قال -تعالى-: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)،[٨] وممّا يدلّ على ارتباط القرآن الكريم بشهر رمضان وأهمية تلاوته فيه أنّ النبيّ -عليه الصلاة والسلام- كان يعرضه على جبريل -عليه السلام- في رمضان من كلّ عام، وفي العام الذي تُوفّي فيه رسول الله، عَرَضه عليه مرَّتَين.[٩] وقد خصّ الله تعالى شهر رمضان بنزول القرآن فيه؛ فقِيل إنّ الله أنزله إلى السماء دفعة واحدة في رمضان، ثمّ أنزله مُجزّأً على قلب النبيّ -صلى الله عليه وسلم-، وقيل إنّ أوّل نزوله كان في شهر رمضان، وفي ليلة القدر تحديداً، وقد كان السلف الصالح يظهرون اهتمامهم بالقرآن في هذا الشهر الفضيل؛ فمنهم من كان يختم القرآن كلّ عشرة أيام، ومنهم كلّ سبعة أيام، ومنهم كلّ ثلاثة أيام.[١٠]

مسائل مُتعلّقة بقراءة القرآن الكريم في رمضان

أشكال قراءة القرآن الكريم في رمضان

تختلف أساليب ومظاهر قراءة القرآن باختلاف غاية القارئ منها، وتأخذ القراءة تبعاً لذلك أشكالاً عدّة، بيانها فيما يأتي:

  • قراءة الثواب والختم: وبهذه الطّريقة يهدِف القارئ إلى قراءة أكبر قدر من سور القرآن وآياته، والمرور على كلّ كلماته وحروفه حتى يختم القرآن كلّه، ويكرّر ذلك ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وهو بذلك يرجو تحصيل ثواب تلك الختمات، كما قال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: (مَن قرأَ حرفًا من كتابِ اللَّهِ فلَهُ بِهِ حسنةٌ، والحسنةُ بعشرِ أمثالِها، لا أقولُ آلم حرفٌ، ولَكِن ألِفٌ حرفٌ وميمٌ حرفٌ)،[١١] ويعدّ هذا الشّكل من القراءة الأكثر انتشاراً بين عامّة المسلمين، لِما ورَد في الحديث من أنّ الثواب فيها يناله كلّ قارئ من غير ضرورة الوقوف على فهم الآيات ودلالاته.[١٢]
  • قراءة التدبُّر والتأمُّل: وتهدف هذه القراءة إلى التفكُّر في كلام الله -تعالى-، وكلّ ما جاء به القرآن من المأمورات، والمَنهيّات، والإرشادات، وهي من أفضل أنواع القراءات، علماً أنّها واردة في قوله -تعالى-: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ)،[١٣] ويُشار إلى أنّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- كان قد قام في ليلة، وقرأ فيها سورة البقرة، وآل عمران، والنساء، مُتدبّراً إيّاها، ومُستعيذاً ممّا جاء فيها من آيات التخويف، وسائلاً الله الرحمة فيما جاء من آيات الترغيب، وقد سار على هذا النهج في القراءة المُفسِّرون منذ زمن الصحابة إلى الزمن الحاليّ؛ لأنّ عمل المُفسّر الأساسيّ هو تدبُّر كلام الله -تعالى-، والتأمُّل فيه؛ فالتدبُّر يُعدّ الركيزة الأساسية لعلم التفسير، ويندرج تحت هذا النوع من القراءة ما يكون لأجل الغايات البحثية والأكاديمية، وهو على مراتب تختلف باختلاف الهدف من القراءة، واختلاف المستوى العلميّ للقارئ.[١٤]
  • قراءة الحفظ والمراجعة: ويتمّ اتّباعها من قِبل الذين يحفظون القرآن غيباً؛ وغايتهم فيها إلى جانب الأجر، تثبيت القرآن في صدروهم؛ من خلال تكرار الحفظ، وترديد الآيات، وهي مسؤولية كبيرة تقع على عاتق حُفّاظ القرآن الكريم، وهذا النوع يفيد كتّاب المصاحف من تمكين الكتابة بمراجعة الحفّاظ، قال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: (تَعاهَدُوا هذا القُرْآنَ، فَوالذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ لَهو أشَدُّ تَفَلُّتًا مِنَ الإبِلِ في عُقُلِها).[١٥][١٦]

كيفية قراءة القرآن في رمضان وفي غيره

تُعَدّ الأنواع الثلاثة التي تمّت الإشارة إليها، والالتزام بها أمراً ضروريّاً للمسلم؛ فالقراءة التي يريد بها صاحبها الثواب والختم تكون بقراءة جزء من القرآن بشكلّ يوميّ ودوريّ، فيكون قد ختمه في كلّ شهر مرّة، أمّا قراءة الحفظ فيكون حريصاً على أن يحفظ ما يمكنه من الآيات ولو كانت آية واحدة في كلّ يوم، فيكون في نهاية كلّ عام قد حفظ عدداً لا بأس به من الآيات، ثمّ يحاول ما أمكنه أن يفهم الآيات التي حفظها ويتدبّرها، ومع مرور الزمن يكون قد فهم آيات القرآن الكريم كاملاً.[١٧]

للمزيد من التفاصيل عن مقالات ذات علاقة الاطّلاع على المقالات الآتية:

المراجع

  1. رواه مسلم ، في صحيح مسلم ، عن أبي هريرة ، الصفحة أو الرقم: 2699، صحيح.
  2. سورة آل عمران ، آية: 191.
  3. عبد الله الجار الله ، أسباب المغفرة في رمضان ، الرياض: مكتبة دار الحميضي ، صفحة 14-15. بتصرّف.
  4. رواه البخاري ، في صحيح البخاري ، عن عثمان بن عفان ، الصفحة أو الرقم: 5027 ، صحيح .
  5. عائض القرني ، دروس الشيخ عائض القرني ، صفحة 4-5. بتصرّف.
  6. سليمان العودة ، شعاع من المحراب، الرياض: دار المغني ، صفحة 159، جزء 1. بتصرّف.
  7. سورة البقرة ، آية: 185.
  8. سورة القدر، آية: 1.
  9. سعيد القحطاني ، عظمة القرآن وتعظيمه وأثره في النفوس في ضوء الكتاب والسنة، الرياض: مطبعة سفير ، صفحة 7. بتصرّف.
  10. أحمد فريد ، مجالس رمضان، صفحة 2، جزء 9. بتصرّف.
  11. رواه الألباني ، في صحيح الترمذي ، عن عبد الله بن مسعود ، الصفحة أو الرقم: 2910، صحيح .
  12. سهيل قاسم ‏ (2009)، كيف تقرأ القرآن في رمضان وغيره من شهور العام (الطبعة الأولى )، المدينة المنورة : دار الخضيري ، صفحة 7. بتصرّف.
  13. سورة ص، آية: 29.
  14. سهيل قاسم ‏ (2009)، كيف تقرأ القرآن في رمضان وغيره من شهور العام (الطبعة الأولى )، المدينة المنورة : دار الخضيري ، صفحة 11-12. بتصرّف.
  15. رواه مسلم ، في صحيح مسلم ، عن أبي موسى الأشعري ، الصفحة أو الرقم: 791، صحيح .
  16. سهيل قاسم ‏ (2009)، ‎ كيف تقرأ القرآن في رمضان وغيره من شهور العام (الطبعة الأولى)، المدينة المنورة: دار الخضيري، صفحة 17-18. بتصرّف.
  17. صلاح الخالدي ، مفاتيح للتعامل مع القرآن (الطبعة الثالثة )، دمشق: دار القلم، صفحة 68-69. بتصرّف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

فضل تلاوة القرآن الكريم في رمضان

يُستحَبّ الإكثار من تلاوة القرآن الكريم، ومدارسته في رمضان، ويُستحَبّ أيضاً الاجتماع في المساجد من أجل تلاوته، قال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: (ما اجْتَمع قَوْمٌ في بَيْتٍ مِن بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عليهمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ المَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَن عِنْدَهُ)،[١] وقد ورد أنّ رسول الله كان يتدارس القرآن بين يدَي جبريل ليلاً؛ ففي الليل تتجلّى السّكينة والأُنْس، ويصفو فِكَر المرء ممّا يُعكّره، ويُستحَبّ أيضاً أن يتطهّر المسلم، ويتوجّه إلى القبلة حين تلاوته، ويجوز أن يقرأه في أحواله جميعها؛ أثناء قيامه، وقعوده، واضطجاعه، وركوبه؛ فهو من ذكر الله، وقد قال الله -تعالى-: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّـهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ)،[٢] وينال المسلم مثوبةً أكبر عند تلاوة القرآن بتدبُّر؛ بحيث يفهم ما يقرأ، ويمتثل له؛ فيأتمر بالمأمور، وينتهي عن المَنهيّ عنه، ويستعيذ من المعوذ منه، ويسأل الله الهدى والجنة، وبهذا يكون القرآن حجّة له، لا عليه.[٣]

إضافة إلى أنّ الصيام والقرآن شفيعان لصاحبهما يوم القيامة؛ فالصيام يمنع صاحبه من الطعام والشراب والشهوة، والقرآن يمنع صاحبه النوم في الليل؛ ليقرأه، وقد مدح رسول الله أهل القرآن الذين يعيشون معه، ويقرأون آياته، ويتدبّرون معانيه؛ فقال: (خَيْرُكُمْ مَن تَعَلَّمَ القُرْآنَ وعَلَّمَهُ)،[٤]وقد أجْزل المولى سبحانه لهم العطاء؛ فترقى بهم تلاوتهم إلى الدّرجات العُلى في الجنة، كما أنّ بكلّ حرفٍ يقرؤه المسلم من كتاب الله حسنة، والحسنة بعشرة أمثالها، والله -عزّ وجلّ- يضاعف أجر قارىء القرآن؛ ثواباً له،[٥] وتدبُّر القراءة يدعو إلى التفكُّر، وكلّما قرأ المسلم المزيد من الآيات زاد إقباله على الله تعالى؛ لما يرى من الثواب المُمتدّ الذي أعدّه الله لعباده المُتّقين، وما أعدّه الله من العذاب للكافرين الذين خرجوا عن طاعته -تعالى-، وبين تلك الآيات جميعها يقرأ دعوة الله عباده إلى التوبة، وكلّ ذلك يُؤدّي به إلى النجاة من عقاب الله، والفوز برضوانه.[٦]

للمزيد من التفاصيل حول أجر تلاوة القرآن الاطّلاع على مقالة: ((ما هو أجر ختم القرآن)).

رمضان شهر القرآن

أنزل الله -عزّ وجلّ- القرآن الكريم على سيّدنا محمد -صلّى الله عليه وسلّم- في العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك، قال -تعالى-: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ)،[٧] وفي ليلة القدر تحديداً؛ قال -تعالى-: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)،[٨] وممّا يدلّ على ارتباط القرآن الكريم بشهر رمضان وأهمية تلاوته فيه أنّ النبيّ -عليه الصلاة والسلام- كان يعرضه على جبريل -عليه السلام- في رمضان من كلّ عام، وفي العام الذي تُوفّي فيه رسول الله، عَرَضه عليه مرَّتَين.[٩] وقد خصّ الله تعالى شهر رمضان بنزول القرآن فيه؛ فقِيل إنّ الله أنزله إلى السماء دفعة واحدة في رمضان، ثمّ أنزله مُجزّأً على قلب النبيّ -صلى الله عليه وسلم-، وقيل إنّ أوّل نزوله كان في شهر رمضان، وفي ليلة القدر تحديداً، وقد كان السلف الصالح يظهرون اهتمامهم بالقرآن في هذا الشهر الفضيل؛ فمنهم من كان يختم القرآن كلّ عشرة أيام، ومنهم كلّ سبعة أيام، ومنهم كلّ ثلاثة أيام.[١٠]

مسائل مُتعلّقة بقراءة القرآن الكريم في رمضان

أشكال قراءة القرآن الكريم في رمضان

تختلف أساليب ومظاهر قراءة القرآن باختلاف غاية القارئ منها، وتأخذ القراءة تبعاً لذلك أشكالاً عدّة، بيانها فيما يأتي:

  • قراءة الثواب والختم: وبهذه الطّريقة يهدِف القارئ إلى قراءة أكبر قدر من سور القرآن وآياته، والمرور على كلّ كلماته وحروفه حتى يختم القرآن كلّه، ويكرّر ذلك ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وهو بذلك يرجو تحصيل ثواب تلك الختمات، كما قال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: (مَن قرأَ حرفًا من كتابِ اللَّهِ فلَهُ بِهِ حسنةٌ، والحسنةُ بعشرِ أمثالِها، لا أقولُ آلم حرفٌ، ولَكِن ألِفٌ حرفٌ وميمٌ حرفٌ)،[١١] ويعدّ هذا الشّكل من القراءة الأكثر انتشاراً بين عامّة المسلمين، لِما ورَد في الحديث من أنّ الثواب فيها يناله كلّ قارئ من غير ضرورة الوقوف على فهم الآيات ودلالاته.[١٢]
  • قراءة التدبُّر والتأمُّل: وتهدف هذه القراءة إلى التفكُّر في كلام الله -تعالى-، وكلّ ما جاء به القرآن من المأمورات، والمَنهيّات، والإرشادات، وهي من أفضل أنواع القراءات، علماً أنّها واردة في قوله -تعالى-: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ)،[١٣] ويُشار إلى أنّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- كان قد قام في ليلة، وقرأ فيها سورة البقرة، وآل عمران، والنساء، مُتدبّراً إيّاها، ومُستعيذاً ممّا جاء فيها من آيات التخويف، وسائلاً الله الرحمة فيما جاء من آيات الترغيب، وقد سار على هذا النهج في القراءة المُفسِّرون منذ زمن الصحابة إلى الزمن الحاليّ؛ لأنّ عمل المُفسّر الأساسيّ هو تدبُّر كلام الله -تعالى-، والتأمُّل فيه؛ فالتدبُّر يُعدّ الركيزة الأساسية لعلم التفسير، ويندرج تحت هذا النوع من القراءة ما يكون لأجل الغايات البحثية والأكاديمية، وهو على مراتب تختلف باختلاف الهدف من القراءة، واختلاف المستوى العلميّ للقارئ.[١٤]
  • قراءة الحفظ والمراجعة: ويتمّ اتّباعها من قِبل الذين يحفظون القرآن غيباً؛ وغايتهم فيها إلى جانب الأجر، تثبيت القرآن في صدروهم؛ من خلال تكرار الحفظ، وترديد الآيات، وهي مسؤولية كبيرة تقع على عاتق حُفّاظ القرآن الكريم، وهذا النوع يفيد كتّاب المصاحف من تمكين الكتابة بمراجعة الحفّاظ، قال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: (تَعاهَدُوا هذا القُرْآنَ، فَوالذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ لَهو أشَدُّ تَفَلُّتًا مِنَ الإبِلِ في عُقُلِها).[١٥][١٦]

كيفية قراءة القرآن في رمضان وفي غيره

تُعَدّ الأنواع الثلاثة التي تمّت الإشارة إليها، والالتزام بها أمراً ضروريّاً للمسلم؛ فالقراءة التي يريد بها صاحبها الثواب والختم تكون بقراءة جزء من القرآن بشكلّ يوميّ ودوريّ، فيكون قد ختمه في كلّ شهر مرّة، أمّا قراءة الحفظ فيكون حريصاً على أن يحفظ ما يمكنه من الآيات ولو كانت آية واحدة في كلّ يوم، فيكون في نهاية كلّ عام قد حفظ عدداً لا بأس به من الآيات، ثمّ يحاول ما أمكنه أن يفهم الآيات التي حفظها ويتدبّرها، ومع مرور الزمن يكون قد فهم آيات القرآن الكريم كاملاً.[١٧]

للمزيد من التفاصيل عن مقالات ذات علاقة الاطّلاع على المقالات الآتية:

المراجع

  1. رواه مسلم ، في صحيح مسلم ، عن أبي هريرة ، الصفحة أو الرقم: 2699، صحيح.
  2. سورة آل عمران ، آية: 191.
  3. عبد الله الجار الله ، أسباب المغفرة في رمضان ، الرياض: مكتبة دار الحميضي ، صفحة 14-15. بتصرّف.
  4. رواه البخاري ، في صحيح البخاري ، عن عثمان بن عفان ، الصفحة أو الرقم: 5027 ، صحيح .
  5. عائض القرني ، دروس الشيخ عائض القرني ، صفحة 4-5. بتصرّف.
  6. سليمان العودة ، شعاع من المحراب، الرياض: دار المغني ، صفحة 159، جزء 1. بتصرّف.
  7. سورة البقرة ، آية: 185.
  8. سورة القدر، آية: 1.
  9. سعيد القحطاني ، عظمة القرآن وتعظيمه وأثره في النفوس في ضوء الكتاب والسنة، الرياض: مطبعة سفير ، صفحة 7. بتصرّف.
  10. أحمد فريد ، مجالس رمضان، صفحة 2، جزء 9. بتصرّف.
  11. رواه الألباني ، في صحيح الترمذي ، عن عبد الله بن مسعود ، الصفحة أو الرقم: 2910، صحيح .
  12. سهيل قاسم ‏ (2009)، كيف تقرأ القرآن في رمضان وغيره من شهور العام (الطبعة الأولى )، المدينة المنورة : دار الخضيري ، صفحة 7. بتصرّف.
  13. سورة ص، آية: 29.
  14. سهيل قاسم ‏ (2009)، كيف تقرأ القرآن في رمضان وغيره من شهور العام (الطبعة الأولى )، المدينة المنورة : دار الخضيري ، صفحة 11-12. بتصرّف.
  15. رواه مسلم ، في صحيح مسلم ، عن أبي موسى الأشعري ، الصفحة أو الرقم: 791، صحيح .
  16. سهيل قاسم ‏ (2009)، ‎ كيف تقرأ القرآن في رمضان وغيره من شهور العام (الطبعة الأولى)، المدينة المنورة: دار الخضيري، صفحة 17-18. بتصرّف.
  17. صلاح الخالدي ، مفاتيح للتعامل مع القرآن (الطبعة الثالثة )، دمشق: دار القلم، صفحة 68-69. بتصرّف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق

مقالات ذات صلة

فضل تلاوة القرآن الكريم في رمضان

يُستحَبّ الإكثار من تلاوة القرآن الكريم، ومدارسته في رمضان، ويُستحَبّ أيضاً الاجتماع في المساجد من أجل تلاوته، قال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: (ما اجْتَمع قَوْمٌ في بَيْتٍ مِن بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عليهمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ المَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَن عِنْدَهُ)،[١] وقد ورد أنّ رسول الله كان يتدارس القرآن بين يدَي جبريل ليلاً؛ ففي الليل تتجلّى السّكينة والأُنْس، ويصفو فِكَر المرء ممّا يُعكّره، ويُستحَبّ أيضاً أن يتطهّر المسلم، ويتوجّه إلى القبلة حين تلاوته، ويجوز أن يقرأه في أحواله جميعها؛ أثناء قيامه، وقعوده، واضطجاعه، وركوبه؛ فهو من ذكر الله، وقد قال الله -تعالى-: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّـهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ)،[٢] وينال المسلم مثوبةً أكبر عند تلاوة القرآن بتدبُّر؛ بحيث يفهم ما يقرأ، ويمتثل له؛ فيأتمر بالمأمور، وينتهي عن المَنهيّ عنه، ويستعيذ من المعوذ منه، ويسأل الله الهدى والجنة، وبهذا يكون القرآن حجّة له، لا عليه.[٣]

إضافة إلى أنّ الصيام والقرآن شفيعان لصاحبهما يوم القيامة؛ فالصيام يمنع صاحبه من الطعام والشراب والشهوة، والقرآن يمنع صاحبه النوم في الليل؛ ليقرأه، وقد مدح رسول الله أهل القرآن الذين يعيشون معه، ويقرأون آياته، ويتدبّرون معانيه؛ فقال: (خَيْرُكُمْ مَن تَعَلَّمَ القُرْآنَ وعَلَّمَهُ)،[٤]وقد أجْزل المولى سبحانه لهم العطاء؛ فترقى بهم تلاوتهم إلى الدّرجات العُلى في الجنة، كما أنّ بكلّ حرفٍ يقرؤه المسلم من كتاب الله حسنة، والحسنة بعشرة أمثالها، والله -عزّ وجلّ- يضاعف أجر قارىء القرآن؛ ثواباً له،[٥] وتدبُّر القراءة يدعو إلى التفكُّر، وكلّما قرأ المسلم المزيد من الآيات زاد إقباله على الله تعالى؛ لما يرى من الثواب المُمتدّ الذي أعدّه الله لعباده المُتّقين، وما أعدّه الله من العذاب للكافرين الذين خرجوا عن طاعته -تعالى-، وبين تلك الآيات جميعها يقرأ دعوة الله عباده إلى التوبة، وكلّ ذلك يُؤدّي به إلى النجاة من عقاب الله، والفوز برضوانه.[٦]

للمزيد من التفاصيل حول أجر تلاوة القرآن الاطّلاع على مقالة: ((ما هو أجر ختم القرآن)).

رمضان شهر القرآن

أنزل الله -عزّ وجلّ- القرآن الكريم على سيّدنا محمد -صلّى الله عليه وسلّم- في العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك، قال -تعالى-: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ)،[٧] وفي ليلة القدر تحديداً؛ قال -تعالى-: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)،[٨] وممّا يدلّ على ارتباط القرآن الكريم بشهر رمضان وأهمية تلاوته فيه أنّ النبيّ -عليه الصلاة والسلام- كان يعرضه على جبريل -عليه السلام- في رمضان من كلّ عام، وفي العام الذي تُوفّي فيه رسول الله، عَرَضه عليه مرَّتَين.[٩] وقد خصّ الله تعالى شهر رمضان بنزول القرآن فيه؛ فقِيل إنّ الله أنزله إلى السماء دفعة واحدة في رمضان، ثمّ أنزله مُجزّأً على قلب النبيّ -صلى الله عليه وسلم-، وقيل إنّ أوّل نزوله كان في شهر رمضان، وفي ليلة القدر تحديداً، وقد كان السلف الصالح يظهرون اهتمامهم بالقرآن في هذا الشهر الفضيل؛ فمنهم من كان يختم القرآن كلّ عشرة أيام، ومنهم كلّ سبعة أيام، ومنهم كلّ ثلاثة أيام.[١٠]

مسائل مُتعلّقة بقراءة القرآن الكريم في رمضان

أشكال قراءة القرآن الكريم في رمضان

تختلف أساليب ومظاهر قراءة القرآن باختلاف غاية القارئ منها، وتأخذ القراءة تبعاً لذلك أشكالاً عدّة، بيانها فيما يأتي:

  • قراءة الثواب والختم: وبهذه الطّريقة يهدِف القارئ إلى قراءة أكبر قدر من سور القرآن وآياته، والمرور على كلّ كلماته وحروفه حتى يختم القرآن كلّه، ويكرّر ذلك ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وهو بذلك يرجو تحصيل ثواب تلك الختمات، كما قال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: (مَن قرأَ حرفًا من كتابِ اللَّهِ فلَهُ بِهِ حسنةٌ، والحسنةُ بعشرِ أمثالِها، لا أقولُ آلم حرفٌ، ولَكِن ألِفٌ حرفٌ وميمٌ حرفٌ)،[١١] ويعدّ هذا الشّكل من القراءة الأكثر انتشاراً بين عامّة المسلمين، لِما ورَد في الحديث من أنّ الثواب فيها يناله كلّ قارئ من غير ضرورة الوقوف على فهم الآيات ودلالاته.[١٢]
  • قراءة التدبُّر والتأمُّل: وتهدف هذه القراءة إلى التفكُّر في كلام الله -تعالى-، وكلّ ما جاء به القرآن من المأمورات، والمَنهيّات، والإرشادات، وهي من أفضل أنواع القراءات، علماً أنّها واردة في قوله -تعالى-: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ)،[١٣] ويُشار إلى أنّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- كان قد قام في ليلة، وقرأ فيها سورة البقرة، وآل عمران، والنساء، مُتدبّراً إيّاها، ومُستعيذاً ممّا جاء فيها من آيات التخويف، وسائلاً الله الرحمة فيما جاء من آيات الترغيب، وقد سار على هذا النهج في القراءة المُفسِّرون منذ زمن الصحابة إلى الزمن الحاليّ؛ لأنّ عمل المُفسّر الأساسيّ هو تدبُّر كلام الله -تعالى-، والتأمُّل فيه؛ فالتدبُّر يُعدّ الركيزة الأساسية لعلم التفسير، ويندرج تحت هذا النوع من القراءة ما يكون لأجل الغايات البحثية والأكاديمية، وهو على مراتب تختلف باختلاف الهدف من القراءة، واختلاف المستوى العلميّ للقارئ.[١٤]
  • قراءة الحفظ والمراجعة: ويتمّ اتّباعها من قِبل الذين يحفظون القرآن غيباً؛ وغايتهم فيها إلى جانب الأجر، تثبيت القرآن في صدروهم؛ من خلال تكرار الحفظ، وترديد الآيات، وهي مسؤولية كبيرة تقع على عاتق حُفّاظ القرآن الكريم، وهذا النوع يفيد كتّاب المصاحف من تمكين الكتابة بمراجعة الحفّاظ، قال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: (تَعاهَدُوا هذا القُرْآنَ، فَوالذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ لَهو أشَدُّ تَفَلُّتًا مِنَ الإبِلِ في عُقُلِها).[١٥][١٦]

كيفية قراءة القرآن في رمضان وفي غيره

تُعَدّ الأنواع الثلاثة التي تمّت الإشارة إليها، والالتزام بها أمراً ضروريّاً للمسلم؛ فالقراءة التي يريد بها صاحبها الثواب والختم تكون بقراءة جزء من القرآن بشكلّ يوميّ ودوريّ، فيكون قد ختمه في كلّ شهر مرّة، أمّا قراءة الحفظ فيكون حريصاً على أن يحفظ ما يمكنه من الآيات ولو كانت آية واحدة في كلّ يوم، فيكون في نهاية كلّ عام قد حفظ عدداً لا بأس به من الآيات، ثمّ يحاول ما أمكنه أن يفهم الآيات التي حفظها ويتدبّرها، ومع مرور الزمن يكون قد فهم آيات القرآن الكريم كاملاً.[١٧]

للمزيد من التفاصيل عن مقالات ذات علاقة الاطّلاع على المقالات الآتية:

المراجع

  1. رواه مسلم ، في صحيح مسلم ، عن أبي هريرة ، الصفحة أو الرقم: 2699، صحيح.
  2. سورة آل عمران ، آية: 191.
  3. عبد الله الجار الله ، أسباب المغفرة في رمضان ، الرياض: مكتبة دار الحميضي ، صفحة 14-15. بتصرّف.
  4. رواه البخاري ، في صحيح البخاري ، عن عثمان بن عفان ، الصفحة أو الرقم: 5027 ، صحيح .
  5. عائض القرني ، دروس الشيخ عائض القرني ، صفحة 4-5. بتصرّف.
  6. سليمان العودة ، شعاع من المحراب، الرياض: دار المغني ، صفحة 159، جزء 1. بتصرّف.
  7. سورة البقرة ، آية: 185.
  8. سورة القدر، آية: 1.
  9. سعيد القحطاني ، عظمة القرآن وتعظيمه وأثره في النفوس في ضوء الكتاب والسنة، الرياض: مطبعة سفير ، صفحة 7. بتصرّف.
  10. أحمد فريد ، مجالس رمضان، صفحة 2، جزء 9. بتصرّف.
  11. رواه الألباني ، في صحيح الترمذي ، عن عبد الله بن مسعود ، الصفحة أو الرقم: 2910، صحيح .
  12. سهيل قاسم ‏ (2009)، كيف تقرأ القرآن في رمضان وغيره من شهور العام (الطبعة الأولى )، المدينة المنورة : دار الخضيري ، صفحة 7. بتصرّف.
  13. سورة ص، آية: 29.
  14. سهيل قاسم ‏ (2009)، كيف تقرأ القرآن في رمضان وغيره من شهور العام (الطبعة الأولى )، المدينة المنورة : دار الخضيري ، صفحة 11-12. بتصرّف.
  15. رواه مسلم ، في صحيح مسلم ، عن أبي موسى الأشعري ، الصفحة أو الرقم: 791، صحيح .
  16. سهيل قاسم ‏ (2009)، ‎ كيف تقرأ القرآن في رمضان وغيره من شهور العام (الطبعة الأولى)، المدينة المنورة: دار الخضيري، صفحة 17-18. بتصرّف.
  17. صلاح الخالدي ، مفاتيح للتعامل مع القرآن (الطبعة الثالثة )، دمشق: دار القلم، صفحة 68-69. بتصرّف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

فضل تلاوة القرآن الكريم في رمضان

يُستحَبّ الإكثار من تلاوة القرآن الكريم، ومدارسته في رمضان، ويُستحَبّ أيضاً الاجتماع في المساجد من أجل تلاوته، قال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: (ما اجْتَمع قَوْمٌ في بَيْتٍ مِن بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عليهمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ المَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَن عِنْدَهُ)،[١] وقد ورد أنّ رسول الله كان يتدارس القرآن بين يدَي جبريل ليلاً؛ ففي الليل تتجلّى السّكينة والأُنْس، ويصفو فِكَر المرء ممّا يُعكّره، ويُستحَبّ أيضاً أن يتطهّر المسلم، ويتوجّه إلى القبلة حين تلاوته، ويجوز أن يقرأه في أحواله جميعها؛ أثناء قيامه، وقعوده، واضطجاعه، وركوبه؛ فهو من ذكر الله، وقد قال الله -تعالى-: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّـهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ)،[٢] وينال المسلم مثوبةً أكبر عند تلاوة القرآن بتدبُّر؛ بحيث يفهم ما يقرأ، ويمتثل له؛ فيأتمر بالمأمور، وينتهي عن المَنهيّ عنه، ويستعيذ من المعوذ منه، ويسأل الله الهدى والجنة، وبهذا يكون القرآن حجّة له، لا عليه.[٣]

إضافة إلى أنّ الصيام والقرآن شفيعان لصاحبهما يوم القيامة؛ فالصيام يمنع صاحبه من الطعام والشراب والشهوة، والقرآن يمنع صاحبه النوم في الليل؛ ليقرأه، وقد مدح رسول الله أهل القرآن الذين يعيشون معه، ويقرأون آياته، ويتدبّرون معانيه؛ فقال: (خَيْرُكُمْ مَن تَعَلَّمَ القُرْآنَ وعَلَّمَهُ)،[٤]وقد أجْزل المولى سبحانه لهم العطاء؛ فترقى بهم تلاوتهم إلى الدّرجات العُلى في الجنة، كما أنّ بكلّ حرفٍ يقرؤه المسلم من كتاب الله حسنة، والحسنة بعشرة أمثالها، والله -عزّ وجلّ- يضاعف أجر قارىء القرآن؛ ثواباً له،[٥] وتدبُّر القراءة يدعو إلى التفكُّر، وكلّما قرأ المسلم المزيد من الآيات زاد إقباله على الله تعالى؛ لما يرى من الثواب المُمتدّ الذي أعدّه الله لعباده المُتّقين، وما أعدّه الله من العذاب للكافرين الذين خرجوا عن طاعته -تعالى-، وبين تلك الآيات جميعها يقرأ دعوة الله عباده إلى التوبة، وكلّ ذلك يُؤدّي به إلى النجاة من عقاب الله، والفوز برضوانه.[٦]

للمزيد من التفاصيل حول أجر تلاوة القرآن الاطّلاع على مقالة: ((ما هو أجر ختم القرآن)).

رمضان شهر القرآن

أنزل الله -عزّ وجلّ- القرآن الكريم على سيّدنا محمد -صلّى الله عليه وسلّم- في العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك، قال -تعالى-: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ)،[٧] وفي ليلة القدر تحديداً؛ قال -تعالى-: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)،[٨] وممّا يدلّ على ارتباط القرآن الكريم بشهر رمضان وأهمية تلاوته فيه أنّ النبيّ -عليه الصلاة والسلام- كان يعرضه على جبريل -عليه السلام- في رمضان من كلّ عام، وفي العام الذي تُوفّي فيه رسول الله، عَرَضه عليه مرَّتَين.[٩] وقد خصّ الله تعالى شهر رمضان بنزول القرآن فيه؛ فقِيل إنّ الله أنزله إلى السماء دفعة واحدة في رمضان، ثمّ أنزله مُجزّأً على قلب النبيّ -صلى الله عليه وسلم-، وقيل إنّ أوّل نزوله كان في شهر رمضان، وفي ليلة القدر تحديداً، وقد كان السلف الصالح يظهرون اهتمامهم بالقرآن في هذا الشهر الفضيل؛ فمنهم من كان يختم القرآن كلّ عشرة أيام، ومنهم كلّ سبعة أيام، ومنهم كلّ ثلاثة أيام.[١٠]

مسائل مُتعلّقة بقراءة القرآن الكريم في رمضان

أشكال قراءة القرآن الكريم في رمضان

تختلف أساليب ومظاهر قراءة القرآن باختلاف غاية القارئ منها، وتأخذ القراءة تبعاً لذلك أشكالاً عدّة، بيانها فيما يأتي:

  • قراءة الثواب والختم: وبهذه الطّريقة يهدِف القارئ إلى قراءة أكبر قدر من سور القرآن وآياته، والمرور على كلّ كلماته وحروفه حتى يختم القرآن كلّه، ويكرّر ذلك ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وهو بذلك يرجو تحصيل ثواب تلك الختمات، كما قال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: (مَن قرأَ حرفًا من كتابِ اللَّهِ فلَهُ بِهِ حسنةٌ، والحسنةُ بعشرِ أمثالِها، لا أقولُ آلم حرفٌ، ولَكِن ألِفٌ حرفٌ وميمٌ حرفٌ)،[١١] ويعدّ هذا الشّكل من القراءة الأكثر انتشاراً بين عامّة المسلمين، لِما ورَد في الحديث من أنّ الثواب فيها يناله كلّ قارئ من غير ضرورة الوقوف على فهم الآيات ودلالاته.[١٢]
  • قراءة التدبُّر والتأمُّل: وتهدف هذه القراءة إلى التفكُّر في كلام الله -تعالى-، وكلّ ما جاء به القرآن من المأمورات، والمَنهيّات، والإرشادات، وهي من أفضل أنواع القراءات، علماً أنّها واردة في قوله -تعالى-: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ)،[١٣] ويُشار إلى أنّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- كان قد قام في ليلة، وقرأ فيها سورة البقرة، وآل عمران، والنساء، مُتدبّراً إيّاها، ومُستعيذاً ممّا جاء فيها من آيات التخويف، وسائلاً الله الرحمة فيما جاء من آيات الترغيب، وقد سار على هذا النهج في القراءة المُفسِّرون منذ زمن الصحابة إلى الزمن الحاليّ؛ لأنّ عمل المُفسّر الأساسيّ هو تدبُّر كلام الله -تعالى-، والتأمُّل فيه؛ فالتدبُّر يُعدّ الركيزة الأساسية لعلم التفسير، ويندرج تحت هذا النوع من القراءة ما يكون لأجل الغايات البحثية والأكاديمية، وهو على مراتب تختلف باختلاف الهدف من القراءة، واختلاف المستوى العلميّ للقارئ.[١٤]
  • قراءة الحفظ والمراجعة: ويتمّ اتّباعها من قِبل الذين يحفظون القرآن غيباً؛ وغايتهم فيها إلى جانب الأجر، تثبيت القرآن في صدروهم؛ من خلال تكرار الحفظ، وترديد الآيات، وهي مسؤولية كبيرة تقع على عاتق حُفّاظ القرآن الكريم، وهذا النوع يفيد كتّاب المصاحف من تمكين الكتابة بمراجعة الحفّاظ، قال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: (تَعاهَدُوا هذا القُرْآنَ، فَوالذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ لَهو أشَدُّ تَفَلُّتًا مِنَ الإبِلِ في عُقُلِها).[١٥][١٦]

كيفية قراءة القرآن في رمضان وفي غيره

تُعَدّ الأنواع الثلاثة التي تمّت الإشارة إليها، والالتزام بها أمراً ضروريّاً للمسلم؛ فالقراءة التي يريد بها صاحبها الثواب والختم تكون بقراءة جزء من القرآن بشكلّ يوميّ ودوريّ، فيكون قد ختمه في كلّ شهر مرّة، أمّا قراءة الحفظ فيكون حريصاً على أن يحفظ ما يمكنه من الآيات ولو كانت آية واحدة في كلّ يوم، فيكون في نهاية كلّ عام قد حفظ عدداً لا بأس به من الآيات، ثمّ يحاول ما أمكنه أن يفهم الآيات التي حفظها ويتدبّرها، ومع مرور الزمن يكون قد فهم آيات القرآن الكريم كاملاً.[١٧]

للمزيد من التفاصيل عن مقالات ذات علاقة الاطّلاع على المقالات الآتية:

المراجع

  1. رواه مسلم ، في صحيح مسلم ، عن أبي هريرة ، الصفحة أو الرقم: 2699، صحيح.
  2. سورة آل عمران ، آية: 191.
  3. عبد الله الجار الله ، أسباب المغفرة في رمضان ، الرياض: مكتبة دار الحميضي ، صفحة 14-15. بتصرّف.
  4. رواه البخاري ، في صحيح البخاري ، عن عثمان بن عفان ، الصفحة أو الرقم: 5027 ، صحيح .
  5. عائض القرني ، دروس الشيخ عائض القرني ، صفحة 4-5. بتصرّف.
  6. سليمان العودة ، شعاع من المحراب، الرياض: دار المغني ، صفحة 159، جزء 1. بتصرّف.
  7. سورة البقرة ، آية: 185.
  8. سورة القدر، آية: 1.
  9. سعيد القحطاني ، عظمة القرآن وتعظيمه وأثره في النفوس في ضوء الكتاب والسنة، الرياض: مطبعة سفير ، صفحة 7. بتصرّف.
  10. أحمد فريد ، مجالس رمضان، صفحة 2، جزء 9. بتصرّف.
  11. رواه الألباني ، في صحيح الترمذي ، عن عبد الله بن مسعود ، الصفحة أو الرقم: 2910، صحيح .
  12. سهيل قاسم ‏ (2009)، كيف تقرأ القرآن في رمضان وغيره من شهور العام (الطبعة الأولى )، المدينة المنورة : دار الخضيري ، صفحة 7. بتصرّف.
  13. سورة ص، آية: 29.
  14. سهيل قاسم ‏ (2009)، كيف تقرأ القرآن في رمضان وغيره من شهور العام (الطبعة الأولى )، المدينة المنورة : دار الخضيري ، صفحة 11-12. بتصرّف.
  15. رواه مسلم ، في صحيح مسلم ، عن أبي موسى الأشعري ، الصفحة أو الرقم: 791، صحيح .
  16. سهيل قاسم ‏ (2009)، ‎ كيف تقرأ القرآن في رمضان وغيره من شهور العام (الطبعة الأولى)، المدينة المنورة: دار الخضيري، صفحة 17-18. بتصرّف.
  17. صلاح الخالدي ، مفاتيح للتعامل مع القرآن (الطبعة الثالثة )، دمشق: دار القلم، صفحة 68-69. بتصرّف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى