حكم مس المصحف للحائض

'); }

الحيض

ميَّز الله -سبحانه وتعالى- النساء بأمر فطريّ جُبِلْن عليه يجعل لهنّ أحكام وأحوال تختلف فيها عن الرجال، فإذا تعرّضت المرأة المسلمة لشيءٍ من تلك الأحوال لزمها القيام ببعض الأعمال وترك فعل بعض الأعمال، ومن بين تلك الأمور والأحوال الحيض الذي تمرّ به المرأة الطبيعية في فترات معينةٍ من كل شهر، فتُمنع المرأة الحائض من القيام بالعبادات والطاعات، وتُلزَم بالابتعاد عنها تلك الفترة حتى تطهر، ومن بين تلك العبادات التي يجب على الحائض الامتناع عنها قراءة القرآن ومسّ المصحف، فما حكم مسِّ المصحف للحائض؟ ومتى يجوز لها لمسه ومتى لا ينبغي عليها لمسه؟ وما العبرة من ذلك للحائض في تلك الفترة؟

معنى الحيض

  • الحَيْض في اللغة: مصدر حاضَ، وهو الدم الذي يسيل من رحم المرأة عند بلوغها سنّاً معيناً في أيّام معينة من الشهر.[١]
  • الحيض في الاصطلاح: هو عبارة عن الدم الذي يُرخيه رحم المرأة إذا بلغت، في أوقات مخصوصة من الشهر، وأصله آتٍ من حاض السّيل أي فاض وسال إذا امتلئ.[٢]

'); }

حكم مس المصحف للحائض

اتّفق الفقهاء على عدم جواز مسِّ المصحف مباشرةً للحائض أو المحدث (الحدث الأكبر) إن كان مسّه له دون حائلٍ يحول بينه وبين المصحف، فإن كان مسّ الحائض والمحدث للمصحف بحائلٍ ككيسٍ أو ما شابه ذلك، فهنا وقع الخلاف بين الفقهاء، وفيما يلي ما ذهب إليه الفقهاء، وأدلة أصحاب كلِّ فريق: [٣]

  • يرى الشافعيّة والمالكية أنّه لا يجوز للمحدث والحائض والنفساء والجُنُب مسُّ المصحف مطلقاً، سواء كان ذلك اللمس بحائلٍ أو من غير حائل لورود النهي عن ذلك؛ حيثُ قال تعالى في كتابه العزيز: (لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ)،[٤] فالنهي الوارد في الآية لم يميّز بين إنْ كان اللمس بحائلٍ أو بغير حائل، بل جعله مطلقاً، فيبقى على إطلاقه بحرمة لمس المصحف لغير الطاهر؛ كالحائض والنفساء والمحدث الجنب وغيرهم.
  • ذهب الحنفية والحنابلة إلى جواز مسّ المصحف للمحدث والحائض والنفساء إن كان بينه وبين المصحف حائلٌ؛ كأن يلبس كفاً أو يحمله بكيس، أو يلمسه بوجود حائلٍ يفصل بين يده وبين لمس صفحات المصحف مباشرةً، وقد فرَّق الحنفية بين إن كان الحائل منفصلاً عن المصحف أو متصلاً به، فإن كان منفصلاً عنه جاز للحائض والمحدث مسّه، وإن كان الحائل متّصلاً كجلد المصحف الذي يكون في أصله ومتصلاً به، فإنّه لا يُعد حائلاً، ويمنع من مسّ الحائض للمصحف.

أحوال يجوز فيها للحائض مسّ المصحف

يرى بعض أهل العلم كابن تيمية والمرداوي وغيرهما من علماء الحنابلة أنّه يجوز للحائض مس المصحف بحائل والقراءة منه إن كان ذلك لضرورةٍ وحاجة، وهذه الضرورات يمكن إجمالها فيما يلي:[٥]

  • أن يكون هدفها من قراءة القرآن ومس المصحف حفظ شيءٍ من القرآن أو مراجعة شيءٍ مما حفظته.
  • أن تكون غايتها من قراءة القرآن الدراسة أو التدريس؛ كأن تكون طالبةً في إحدى المدارس أو الجامعات، أو تكون معلّمةً للقرآن، أو ما شابه ذلك.
  • أن يغلب على ظنّها أنّها ستنسى القرآن إن تركته تلك الفترة، بل إنّ ابن تيمية -رحمه الله- ذهب إلى أبعد من ذلك؛ حيث يرى وجوب ذلك عليها في حال غلب عليها الظن بأنّها ستنسى القرآن إن ابتعدت عنه فترة حيضها أو نفاسها؛ بسبب عدم مراجعتها له لعدم جواز مس المصحف في تلك الفترة، ونُقِل عن المرداوي أنّه رجّح ذلك واعتمده في فتواه.

بداية ونهاية الحَيض عند النساء

اختلف العلماء في العمر الذي تحيض فيه المرأة لأول الحيض، وبيان آرائهم فيما يلي:

  • بداية الحيض: ذهب أهل العلم بالاتفاق إلى أنّ أقلّ بداية لعمر الحيض عند النساء هو سن تسع سنوات قمريّة، وأنّه لم يَثبت لأنثى حيضٌ قبل تسع سنوات مطلقاً.[٦]
  • انقطاع الحيض: يرى جمهور أهل العلم أنه يكون في سنِّ اليَأس، وقد اختلفوا في تحديد العمر الذي تبلغ فيه المرأة سِنِّ اليأس كما يلي:
    • قال فقهاء الحنفيّة: إن سِنّ اليأس يكون عند بلوغ المرأة الخامسة والخمسين سنةً من عمرها.[٧]
    • قال فقهاء المالكيّة: إنَّ سنَّ اليأس عند النساء يكون عند سن السبعين.[٨]
    • قال فقهاء الشافعية: إنَّه لا حَدَّ لبداية سِنِّ اليَأس الذي ينقطع فيه الحيض عند النساء، وأنّها يمكن أن تحيض ما دامت حَيّةً، ولكن قالوا أنّ سنّ اليأس يمكن أن يكون في سن الثانية والستين.[٩]
    • قال فقهاء الحنابلة: إنّ سنَّ اليَأس عند النساء ببلوغهن سنَّ الخمسين.[١٠]

مدة الحيض

يُقصد بمُدَّة الحيض هو الزَّمن الذي تكون فيه المَرأة حائِضاً والذي يُسمّى عادة، وتُمنع فيه من القيام ببعض الأعمال؛ حيثُ تتعلق تلك المدة الزمنية بكل امرأة على حدة، فلكل امرأةٍ عادتها التي ترد عليها في الحيض طولاً وقصراً، ومدة الحيض هي مدّة محددة فقهاً؛ بحيث لو نَقصت أو زادت عن المدة المعلومة لا تُعتَبر المرأة بها حائضاً، حتى لو رأت الدم، فإنَّ للحيض بدايةً ونهايةً معلومةً عند النساء، وقد اختلف الفقهاء في أدنى وأعلى مدة الحيض على النحو التالي:

  • ذهب الشافعيّة والحنابلة إلى أنَّ أقلّ مدّة الحيض في عادة النساء هو يومٌ وليلةٌ، ولا يمكن أن يقع الحيض بأقل من ذلك، كما قالوا أن أكثر مدةٍ للحيض هي تمام خمسة عشر يوماً بلياليهنّ، فإن زاد عن ذلك لم يعتبر حيضاً.[١١][١٢]
  • ذهب علماء الحنفيّة إلى أنّ أقلّ مدة الحيض عند النساء هو ثلاثة أيّام بلياليهن، وأنَّ ما نقص عن ذلك اعتُبر استحاضةً لا حيضاً وأخذ أحكام الاستحاضة، كما يرون أنَّ أكثر مدةٍ للحيض هي عشرة أيام، فإن زاد عن ذلك فهي استحاضةٌ كذلك.[١٣]
  • ذهب المالكيّة إلى القول بأنّه لا حَدَّ لأقلّ الحيض، فربما يكون الحيض ساعةً عندهم، أمّا أكثر مدة للحيض ففيه حالتان عند المالكيّة هما: أن تكون المرأة مُبتَدَأَةً بحيث لم يَسبِق لها الحيض قبل ذلك، وهي غير حامل فحيضتها ربما تبلغ خمسة عشر يوماً، أما الحالة الثّانية فهي أن تكون المرأة قد سبق لَها الحيض قبل ذلك وهي ليست حاملاً؛ فلا تزيد حيضتها في هذه الحالة عن عدد أيام حيضها المعتاد (ثلاثة أيام).[١٤]

المراجع

  1. د أحمد مختار عبد الحميد عمر (2008)، معجم اللغة العربية المعاصرة (الطبعة الأولى)، السعودية: عالم الكتب، صفحة 595، جزء 1.
  2. محمد بن أحمد بن الأزهري الهروي، أبو منصور، الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي، القاهرة: دار الطلائع، صفحة 46.
  3. “حكم مس الحائض القرآن بحائل”، إسلام ويب، 17-10-2010، اطّلع عليه بتاريخ 21-6-2017. بتصرّف.
  4. سورة الواقعة، آية: 79.
  5. “الحائض بين جواز قراءة القرآن والمنع”، إسلام ويب، 20-1-2002، اطّلع عليه بتاريخ 22-6-2017. بتصرّف.
  6. “أقل سن يمكن أن تحيض فيه المرأة”، إسلام ويب، 9-7-2002، اطّلع عليه بتاريخ 24-6-2017. بتصرّف.
  7. أبو محمد محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد بن حسين الغيتابى الحنفى بدر الدين العينى (2000)، البناية شرح الهداية (الطبعة الأولى)، بيروت: دار الكتب العلمية، صفحة 622، جزء 1.
  8. الحطاب الرُّعيني المالكي (1992)، مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (الطبعة الثالثة)، بيروت: دار الفكر، صفحة 367، جزء 1.
  9. أحمد بن محمد بن أحمد بن القاسم الضبي، أبو الحسن ابن المحاملي الشافعيّ (1416هـ)، اللباب في الفقه الشافعي (الطبعة الاولى)، المدينة المنورة: دار البخاري، صفحة 87.
  10. صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان (1423هـ)، الملخص الفقهي (الطبعة الاولى)، الرياض: دار العاصمة، صفحة 324، جزء 2.
  11. الإمام الشافعي (1990)، الأم، بيروت: دار المعرفة ، صفحة 85، جزء 1.
  12. ابن قدامة المقدسي (1968)، المغني، مصر: مكتبة القاهرة، صفحة 224، جزء 1.
  13. محمد بن أحمد بن أبي أحمد، أبو بكر علاء الدين السمرقندي (1994)، تحفة الفقهاء (الطبعة الثانية)، بيروت: دار الكتب العلمية، صفحة 33.
  14. محمد العربي القروي، الخلاصة الفقهية على مذهب السادة المالكية، بيروت: دار الكتب العلمية، صفحة 49.
Exit mobile version